تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
يقوده إلى الشر إنما هو ذاته نفسها ، وإذا كان لا بدّ أن هناك مصدر طيرة وشؤم ، فإنه على كل حال مصدر متعلق به ولا ينفك عنه . وإنما أخرج المعنى بهذا المظهر الحسيّ الملموس ، ليكون أوقع في النفس وأدلّ على المقصود وليحمل التعبير معنى السخرية بأوهام الجاهلية وسخافتها . 5 - أخبر اللّه تعالى أنه جعل من الليل والنهار دليلين على وجود الخالق العظيم ووحدانيته ، وأنه جعل الليل لتهدأ فيه الرجل ويستريح الإنسان ، وجعل النهار مضيئا ليتهيأ فيه السعي والعمل ، ولكنه لم يعبّر عن هذا المعنى بهذه الطريقة وإنما قال :
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
« 1 » وإذا قرأت هذه الآية ، أسرع خيالك فتصور حيوانين أو شبحين عظيمين أحدهما يظل مطبقا عينيه لا يفتحهما على النور ، والآخر يظل فاتحا عينيه لا يطبقهما على ظلام . فأما الأول فيتجسد فيه ظلام الليل وانطواؤه وهدوؤه ، والآخر يتجسد فيه ضياء النهار وحركته والتماعه . 6 - أخبر اللّه تعالى عن كراهية أهل الجاهلية للأنثى إذ تولد في دار أحدهم وبيّن أن الكرب يأخذ من أحدهم كل مأخذ إذا ما أخبر بأنثى قد ولدت له ، وأنه يراوده فكرة أن يدفنها في التراب حيّة ، ولكنه عبّر عن هذا الشعور النفسي بأسلوب تصويري تسجد له البلاغة في أسمى مظاهرها وألوانها . يقول اللّه عزّ وجلّ :
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ، يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ ، أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ
« 2 » . فقد صوّر تهكم من حوله به بكلمة
بُشِّرَ
ثم صوّر شدة الكرب الذي انتابه بقوله :
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
، ثم صوّر وقع النبأ
هامش
( 1 ) الإسراء : 12 . ( 2 ) النحل : 58 .
من روايع القرآن — صفحة 175 | محمد سعيد رمضان البوطي