تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
2 - أمر اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم إن هو التقى بجموع الكافرين الذين أصرّوا على عنادهم ، أن يشتد في قتالهم حتى تحقيق بهم الهزيمة ويدخل في قلوبهم الرعب . فانظر إلى الأداة التي استعملها في التعبير عن هذا المعنى :
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ ، فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ ، لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
« 1 » . فقد أخرج معنى التلاقي الذي يكون بين المسلمين وأعدائهم ، في صورة من ظل يتربص بشيء حتى ظفر به ووقع عليه وعبّر عن ذلك بقوله :
تَثْقَفَنَّهُمْ
بمجموع ما تحمله هذه الكلمة من الدلالة ومن الصياغة اللفظية ، ومن تناسق السكنات والحركات والتشديد البارز بينها . ثم أخرج معنى إلحاق الهزيمة ، في صورة فريدة عجيبة ، هي صورة جند أقوياء أشدّاء انقضوا في هجوم صاعق على طلائع أعدائهم أو الصفوف الأولى منهم ؛ فأخذ الرعب والفزع منهم كل مأخذ حتى سرى ذلك منهم إلى من خلفهم من بقية الجموع فتبعثروا في كل جهة قبل أن يصل إليهم السوء ويلامسهم . لا ريب أنك إنما تتسمع إلى هذا الوصف بخيالك وإحساسك ، ولا ريب أنك تتصوره الآن منظرا حيّا في فلاة واسعة ، أو على مسرح يعجّ بالحركة الصاخبة . وقد استنفد بيان هذه الصورة بضعة أسطر كما رأيت . فتأمل كيف صاغها بيان التنزيل في أقل من سطر واحد ! . . 3 - وصف اللّه المنافقين بالجبن وبيّن أن ما يتظاهرون به من الشجاعة كذب ، وأن الرعب سرعان ما يستولي على قلوبهم فينهزمون ، لا يلوون على شيء . فانظر كيف عبّر عن هذا المعنى :
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا ، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ
« 2 » . فتأمل كيف بسط معنى الهزيمة والجبن على هذه اللوحة التصويرية الرائعة ، وأخرج هذا المعنى الفكري في صورة جماعات من الناس تائهة زائغة العين لما سيطر عليها من الرعب ، فهي تنقذف هنا وهناك بحثا عن المأمن والمهرب في حركات عجيبة غريبة . وقد يحسب صاحب النظرة
هامش
( 1 ) الأنفال : 57 . ( 2 ) التوبة : 57 .