تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
بعض الأمثلة . ونقول ، قبل عرض الأمثلة ، كما قال المرحوم سيد قطب : إن الأمثلة على هذا الذي نقول هي القرآن كله حيثما تعرض لغرض من الأغراض ، وحيثما شاء أن يعبّر عن معنى مجرد أو حالة نفسية ، أو صفة معنوية ، أو نموذج إنساني ، أو حادثة واقعة أو قصة ماضية ، أو مشهد من مشاهد يوم القيامة ، أو حال من حالات النعيم والعذاب « 1 » . وإليك الآن هذه النماذج : 1 - أوضح اللّه لرسوله أنه لا جدوى من أن يضيق صدره بكفر الكافرين ، وإلا فليجهد جهده وليعمل كل ما بوسعه في تقديم آية لهم ، إن كان قادرا ، يبرهن بها على صدقه ويدخل بها الإيمان في قلوبهم . فالتعبير عن هذا المعنى بمثل هذه الألفاظ أو نحوها مما هو مألوف ومقدور عليه ، وهو معنى يخاطب به العقل والفكر مباشرة ، ولكن انظر إلى التعبير القرآني :
وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ
« 2 » . فقد صوّر أولا التألم من إعراضهم ، في صورة شيء قد كبر وضخم حجمه ينوء الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تحت ثقله ويضيق ذرعا به . ثم صوّر الجهد الذي لن يأتي منه بطائل إن هو أجهد نفسه به ، بصورة من يريد أن يتخلص من كل الثقل العالق به ، فهو ينبعث ، في قلق وبحث دائبين ، نحو كل الجهات ، وخلف كل حجاب وستر ، ليعثر على ما قد ينشط به من هذا العقال المتشبث به . فأنت ترى الآية قد أخرجت هذا المعنى الفكري في مظهر شيء محسوس ، ثم بثّ فيه الحركة والحياة كما قد رأيت ، ثم جسّمت الفكرة نفسها في هذه الصورة الحيّة المتحركة وخاطبت بذلك كله الخيال قبل أن تخاطب مجرد الفكر والذهن .
هامش
( 1 ) التصوير الفني : 30 . ( 2 ) الأنعام : 35 .