تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
وإن في خزانة فكري اليوم لنماذج كثيرة من هذه الأخيلة والصور التي انطبعت فيها مما كانت ترسمه الآيات في ذهني أيام كنت منكبّا على دراسة القرآن وتعلمه ، وأنا طفل ، والكثير منها غريب ومضحك ! . . ولقد كنت أحسب فيما مضى أن مردّ ذلك إلى حالة خاصة بي هي الجهل أو نحوه ، ولكن لدى دراسة معاني القرآن وما تيسر من آدابه ، علمت أن ذلك هو شأن القرآن وعمله في الأخيلة كلها ، ورأيت الكاتب والإنسان الكبير : سيد قطب رحمه اللّه يذكر هذا المعنى ويصف الصورة التي كانت ترسمها هذه الآية في خياله إذ هو طفل :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ، وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ
« 1 » . وأهمية الطفولة بالذات ، لكشف هذا الجانب من أسلوب القرآن ومنهجه هي أن الطفل بمقدار ما يكون استعداده لتلقي المعاني المجردة ضعيفا ، يكون استعداده لتصور الرسوم والتقاط الأشكال قويا ؛ فللطفل خيال مشبوب ، ومرآة صافية سرعان ما يلتقط بهما صور الأشياء . ومن هنا كانت لهذه الظاهرة قيمة كبرى في كشف معنى « التصوير القرآني » والبرهنة عليه . فلا يهمنا إذا ، أن تثبت هذه الصور في ذهن الطفل مشوّهة أو ناقصة أو غير ذات دلالة ، لأن ذلك هو شأن تخيّل الصورة دون إدراك المعنى ، ولكن المهم أنه يجد في هذا الكتاب ما يخاطب خياله ، وإن لم يجد فيه إلا القليل مما يخاطب عقله ، على حين أن ذلك لا يتفق له بالنسبة للكتب الأخرى اللهمّ إلا تلك التي صيغت خصيصا من أجله . ثم إن التصوير القرآني يتدرج في مظاهر متعددة بوسائل مختلفة ، وكثيرا ما تجد هذه المظاهر كلها مجتمعة في نصّ واحد ، وقد تجد بعضها متفرقا في نصوص متعددة .
هامش
( 1 ) الحج : 11 ، وانظر مقدمة كتاب التصوير الفني في القرآن لسيد قطب ، وهو مرجع ذو أهمية بالغة في هذا الباب .