تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
بصورة ذلك وينبههما إلى ما فيه من حركة وحياة . وكلام القرآن ، لا يعثر على هذا السبيل في الخطاب اتفاقا ؛ أو بأن يتهيأ له سبيل إلى تشبيه أو استعارة أو مجاز ، حتى إذا تجاوز ذلك عاد إلى النسق المألوف والكلام المعتاد . بل هو في القرآن نسق مطّرد ، وطريقة متبعة ، وسبيل عرفت به وعرف بها ؛ سواء كان يأمر وينهى ، أو يخبر ويقصّ ، أو يعلّم ويشرّع ، أو يتحدث عن غيب أو يحذر من عذاب . وسرّ العجب والإعجاز في ذلك ، كلّ من حقيقتين اثنتين : الأولى : أن المعاني ، في حقيقتها ، ليست إلا مجردات اعتبارية ، يهضمها ويدركها العقل وحده . فتحوّلها إلى صورة مما تألفه العين ويدركه الشعور والخيال ، مما لا يقدر عليه الإنسان إلا في حدود ضيقة وبالنسبة لمعان معينة . الثانية : أن الألفاظ ، ليست إلا حروفا صوتية جامدة ، فتحولها إلى ريشة تنبع من رأسها الأصباغ والألوان المختلفة المطلوبة لتحيل المعنى إلى صورة في لوحة يتأملها الخيال ، بل تكاد أن تدركها العين قبل أن يستوعبها العقل - أمر لا يقوى عليه شيء مما نسمّيه المجاز أو البلاغة والبيان . ومع ذلك فإن لكلّ من المعنى واللفظ في القرآن شأنا آخر ! . . . فليست المعاني في القرآن مجردات اعتبارية لا يدركها إلا العقل ، وإنما هي صورة حيّة تمرّ بخيال القارئ ، ويلمسها إحساسه ، وتكاد أن تراها عينه . وليست الألفاظ في القرآن تلك الحروف التي لا تدل إلّا على المعنى ، بل هي ينبوع يفيض بالصور والأحاسيس والألوان . وآية هذا الذي نقول - قبل أن نعرض للدليل التطبيقي - أن تتذكر انطباعاتك النفسية والشعورية تجاه القرآن عندما كنت تتلوه أو تنصت إليه في زمان طفولتك ( إن كنت ممّن أتيح لهم أن يمارسوا تلاوة القرآن في عهد الطفولة ) ؛ فستتذكر أنه قد كانت لخيالك جولة كبرى ونشاط غريب في آفاق واسعة بعيدة أثناء تلاوته أو الإنصات إليه ؛ وستردّك ذاكرتك إلى صور وأشكال وأخيلة غريبة منطبعة في خلدك ، كلما قرأت شيئا من آياته .
من روايع القرآن — صفحة 169 | محمد سعيد رمضان البوطي