أولا : الإعجاز اللفظي أو البلاغي :
وإنما نقصد بهذا الوجه بديع نظمه ، وعجيب تأليفه « 1 » وسمّوه في البلاغة إلى الحد الذي يعجز الطوق البشري عن الإتيان بمثله . وأنت تعلم أن البلاغة إنما تعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال ودقة اللفظ في انطباقه على المعنى المراد .
والإنسان مهما أوتي من القدرة البيانية لا يستطيع أن يسمو إلى ذروة هذه الغاية للأسباب والعوائق التي سنتحدث عنها إن شاء اللّه .
واعلم أن إعجاز القرآن من هذا الوجه حجة - بشكل مباشر - على العرب وحدهم ، لأنهم هم الذين يدركون هذا المعنى فيه . إلا أن العرب حجة ، بدورهم ، على سائر الناس ، لأنهم إذا رأوا أن أرباب هذه اللغة وأدباءها قد قصر بهم الطوق عن إنشاء مثله ، أدركوا أنه معجز وأنه ليس مما يقدر عليه البشر « 2 » .
مصدر الإعجاز البلاغي في القرآن :
وقبل أن نتحدث عن مظاهر الإعجاز البلاغي في القرآن ، يجدر بنا أن نبين في كلمة جامعة أساس الإعجاز البلاغي ومصدره ، في هذا الكتاب العظيم . فإن لهذه المظاهر التي سنتحدث عنها جذورا تنتهي إلى أساس واحد ، إليه يردّ علم كل فرع وجانب تفصيلي .
ولعلّ أقصر طريق يمكن أن ينفذ منه الباحث إلى هذا المصدر أو الأساس الواحد ، أن نتأمل فيما يملكه الإنسان - بمعناه الكلي - من الطاقة التعبيرية عن الأفكار والمعاني ، وأن نبين من وراء ذلك الثغرات والنقائص التي تتلبس بطاقته هذه وتمنعه عن القدرة على التعبير عن كل ما يريد بالشكل الذي يريد . . فإذا تبينت لنا هذه النقائص والثغرات ، أدركنا عندئذ أن أساس الإعجاز البلاغي في القرآن ، إنما هو كونه مبرءا من تلك النقائض والثغرات .
هامش
( 1 ) نقصد بالتأليف هنا تآلف ألفاظه وجمله وتناسقها مع بعضها ، على الوجه الذي سنشرحه فيما بعد إن شاء اللّه .
( 2 ) انظر ما كتبه في هذا الإمام الباقلاني في إعجاز القرآن ص : 259 والإمام السيوطي في الإتقان 2 / 119 .