تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
وتستعمل لطائفة من المعاني المتغايرة وإنما القاسم المشترك بينهما علاقات سطحية تصل ما بينها . فأنت لا تملك من اللغة إلا ما يعبّر عن هذه المعاني السطحية القريبة ، بحيث إذا أردت الغوص على دقائق المعاني المتشعبة تخلفت عنك طاقة التعبير وبقيت مع مشاعرك الصامتة « 1 » . ثانيهما : أننا نقف من اللغة العربية أمام بحر عظيم من الكلمات والألفاظ - على ما فيها من القصور الذي ذكرناه - . ومعظم هذه الألفاظ مما يسمى بالمترادف . ومهما كان الكاتب أو المتكلم بليغا ، ومهما كان يحفظ في ذهنه من متن اللغة وألفاظها ومترادفاتها ، فلا يمكن أن تنتصب هذه المترادفات جميعها مكشوفة واضحة أمام خياله ، كما تنتصب مضارب الأحرف من الآلة الكاتبة أمام ضاربها ، لكي يلتقط من مجموعها ما هو أقرب إلى المعنى الذي يبغيه والشعور الذي يجول في صدره وإنما هو - عند التعبير - إنما يلقي حبال تفكيره إلى هذا اليم المتلاطم من الكلمات ، ليلتقط منه ما قد يتسارع إليه ويسهل على لسانه . وفي اللغة من المترادفات الكثيرة ما ينجده لغرضه ويقوم بعضه مقام بعض في التعبير العام عن مقصوده . بيد أن هذه الألفاظ إنما تعدّ مترادفة ، إذا ما أريدت منها الدلالة الإجمالية على المعنى ، وهي التي يقتنع بها العامة من المتكلمين ، وهم الذين لا يطمعون في أكثر من إيصال خلاصة إحساساتهم وأفكارهم إلى الآخرين . أما عند من يسبر أغوار هذه الكلمات ويستخرج ما يمتاز به كلّ منها من الخصائص والفروق ، فهي ليست من المترادفات في شيء . بل لكلّ منها دلالته الخاصة وإشارته المتميزة وإيحاؤه الذي لا يشترك فيه غيره ، وتصويره الذي ينفرد به عن سائر نظائره . فقد تحسب مثلا أن كلّا من مضى ، وذهب ، وانطلق ، يؤدي معنى
هامش
( 1 ) انظر ما قاله السيوطي في المزهر حول هذا المعنى : 1 / 164 ط الممينية .
من روايع القرآن — صفحة 137 | محمد سعيد رمضان البوطي