تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من روايع القرآن — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
واحدا ، وأن كلّا من : قعد ، وجلس ، شيء واحد في الدلالة ، وأن كلّا من : نام ، ورقد ، وهجع ، متّحد في المقصود ولكن الحقيقة ليست كذلك . ففي كل كلمة من هذه المترادفات وصف تستقل بالدلالة عليه ، وإن كان جميعها متفقا في الدلالة على أصل المعنى ، بقطع النظر عن خصائص الفروق والأوصاف ، كما يقول الإمام أحمد بن يحيى المعروف بثعلب . وقد كان جمع من أهل اللغة في مجلس عند سيف الدولة ، وفيهم أبو علي الفارسي ، وابن خالويه . فقال ابن خالويه : أحفظ للسيف خمسين اسما . فتبسم أبو علي وقال : أما أنا فلا أحفظ له إلا اسما واحدا وهو السيف . قال ابن خالويه : فأين المهنّد والصارم وكذا وكذا . . فقال أبو علي : هذه صفات ، وكأن الشيخ لا يفرّق بين الاسم والصفة . فمن هنا تضيق السبل على من ينشد الدقة في التعبير والصدق في تصوير المعاني والمشاعر . إذ تسقط فائدة المترادفات من حسابه ، لما يختصّ به كلّ منها من دلالة وصفة معينة ، ولا يمكن أن يتمثل متن هذه اللغة كلها أمام عينيه ، ليلتقط منها ما يأتي مفصّلا على قدر مشاعره وأفكاره . وإنما هو يأخذ منها - كما قلنا - ما تبادر إلى ذاكرته وقرب إلى لسانه . وعندئذ إما أن يقع في تطويل لا فائدة منه ، وإما أن يجنح إلى اختصار مفسد مخلّ ، وإما أن يقع في كلامه على ألفاظ وتعابير تفسد عليه تصوره وتشوش على السامع مقصوده . وإذا اتسعت أمامه السبل في التعبير عن بعض معانيه وأفكاره ، ضاقت عليه السبل لدى محاولة التعبير بدقة عن المعاني الأخرى . وما كاتب من الكتاب أو بليغ من البلغاء ، ممّن سمعت بهم قديما أو حديثا ، إلا وفيه هذه النقائص أو واحدة منها . فمن أجل هذين السببين ، يعاني الإنسان - مهما سمت درجته البلاغية وطاقته التعبيرية - من العجز ، تجاه محاولته التعبير عن المعاني والمشاعر التي يريد التعبير عنها بدقة . ولا ريب أنه عجز متفاوت تبعا لتفاوت القدرات البلاغية والتعبيرية ، عند الناس . إلا أن العجز سمة ثابتة للجميع بمعناه الإجمالي .