تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد روية قرآنية — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
إلّا من بعد إذنه هو لإفادة التوحيد في الخالقية والتوحيد في التدبير والربوبيّة فلا خالق إلّا هو اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ ( الرعد : 16 ) كما لا مدبّر إلّا هو الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( الحمد : 2 ) ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ( السجدة : 5 ) . فما يتراءى في صفحة الوجود من الخلق والتدبير فليس على ظاهرهما ، وإنما تقوم سائر العلل بالخلقة والتدبير مستمدّاً من حوله وقوّته ، فيرجع معنى الآية إلى أنه لا مؤثّر في الكون إلّا من بعد إذنه . إذا اتّضح ما قلناه فلا يناسب حمل الشفاعة في الآية على الشفاعة التشريعية التي تدور حول التكاليف والتشريعات وعصيان العباد ومخالفتهم لها ، ثم توسيط الشفعاء لغفران ذنوبهم وحطّ سيّئاتهم . فهذه الآيات ونظائرها تثبت وجود شفاعة في نظام التكوين ووجود شفعاء مأذون لهم من قبل الله تبارك وتعالى أن يتوسّطوا بينه وبين غيره لنشر رحمته التي لا تنفد ونعمته التي لا تحصى إلى خلقه وصنعه .

الشفاعة في نظام التشريع

أنزل الله سبحانه على الإنسان بلطفه وفضله الشرائع لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ( المائدة : 48 ) ، ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( الجاثية : 18 ) وأرسل إليه الأنبياء والرسل ليبيّنوا أوامر الله ونواهيه ؛ قال تعالى : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( النساء : 165 ) وقال : وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( الأنعام : 48 ) حتى إذا ائتمر بتلك الأوامر وانتهى عن تلك النواهي وصل إلى كماله اللائق به الذي خلقه الله لأجله وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ