تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعاد روية قرآنية — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
نفع وضرر ولو كان في الأمور التكوينية ، وإنما تلك المنافع والمضارّ التي تستتبعها التشريعات والقوانين المشتملة على الأوامر والنواهي الشرعية أو الوضعية ، لأن المقنّن سواء كان هو الله تعالى أو غيره جعل قوانين أخرى جزائية تهدّد وتعاقب المتخلّفين المتعدّين على حقوق غيرهم ، وتُخوّفهم بالسيّئة قبال السيّئة ، وبأخرى تشوّقهم وترغّبهم في عمل الخيرات . في ضوء هذه الحقيقة يأتي دور الشفاعة المتعارفة لدى العقلاء ، حيث يحاول المطيع أو المذنب أن يجد قريباً أو صديقاً أو وجيهاً ليشفّعه وليوسّطه في ما بينه وبين الحاكم أو من بيده الجزاء لكي يثيبه ويجازيه مثلًا فوق استحقاقه ، أو يعمل على أن لا تترتّب عليه تبعة ارتكابه للنواهى أو مخالفته للأوامر السائدة في مجتمعه . بعبارة واضحة إذا أراد الإنسان أن ينال كمالًا وخيراً مادّياً أو معنويّاً وليس عنده ما يستوجب ذلك بحسب القوانين والتشريعات الاجتماعية ، أو أراد أن يدفع عن نفسه شرّاً متوجّهاً إليه من عقاب المخالفة وليس عنده ما يدفعه ، أي أراد نيل ثواب من غير تهيئة أسبابه أو التخلّصَ من عقاب من غير إتيان التكليف المتوجّه إليه ، فذلك هو مورد الشفاعة العقلائية . والحاصل أن الشفاعة لدى العرف والعقلاء تمتاز بخصوصيتين هما : إنها تختصّ في الأمور التشريعية ولا تَعمّ الشؤون الوجودية والتكوينية . إنها لا تخضع لضابطة محدّدة بلحاظ ضوابط عالمَى التشريع والتكوين ، بل هي قائمة على أساس الوجاهة أو الرابطة الخاصّة من قربى أو بذل مال أو غير ذلك من الأمور التي تؤثّر على الحاكم أو من بيده تحديد القرار ، فيعفو عن المذنب الذي لا يستحقّ العفو ويعطى غير المستحقّ ما لا يستحقّه .