تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحاسن والمساوئ — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
ولا غرس نخلا ولا شق نهرا ولا استنبط عينا واعتبر برديه اللذين كان يلبسهما وخاتمه . وكان صلى اللّه عليه وسلم ، يأكل على الأرض ويلبس العباءة ويجالس الفقراء ويمشي في الأسواق ويتوسد يده ولا يأكل متكيا ويقتص من نفسه ، وكان صلى اللّه عليه وسلم ، يقول : « إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأشرب كما يشرب » « 1 » « ولو دعيت إلى ذراع لأجبت ولو أهدي إليّ كراع لقبلت » « 2 » ولم يأكل قط ولا ضرب عبده ، ولم ير صلى اللّه عليه وسلم ، أدار رجله بين يدي أحد ولا أخذ بيده أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها . وأما كرمه صلى اللّه عليه وسلم ، في فتح مكة وقد قتلوا أعمامه ورجاله وأولياءه وأنصاره وآذوه وأرادوا نفسه فكان يلتقي السفه بالحلم والأذى بالاحتمال ، وكان متى كان أكرم وعنهم أصفح كانوا ألأم وعليه ألح ، والعجب أنهم كانوا أحلم جيل إلا فيما بينهم وبينه فإنهم كانوا إذا ساروا إليه أفحشوا عليه وأفرطوا في السفه ورموه بالفرث والدماء وألقوا على طريقه الشوك وحثوا في وجهه التراب ، وكان لا يتولى هذا منه إلا العظماء والأخوال والأعمام والأقرب فالأقرب . فإذا كانوا كذلك كان أشد للغيظ وأثبت للحقد ، فلما دخل صلى اللّه عليه وسلم ، مكة قام فيهم خطيبا فحمد اللّه ، عز وجل ، وأثنى عليه ثم قال : أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم يغفر اللّه لكم وهو أرحم الراحمين . وأما محاسن قوله الحق فإنه ذكر زيد بن صوحان فقال : زيد وما زيد ، يسبقه عضو منه إلى الجنة ، فقطعت يده يوم نهاوند في سبيل اللّه ووعد أصحابه بيضاء أصطخر « 3 » وبيضاء المدائن وقال لعدي بن حاتم : لا يمنعك ما ترى ، يعني ضعف أصحابه وجهدهم ، فكأنهم بيضاء المدائن قد فتحت عليهم ، وكأنهم بالظعينة تخرج من الحيرة حتى تأتي مكة بغير خفير ، فأبصر ذلك كله عدي وقال لعمار بن ياسر : « تقتلك الفئة الباغية » « 4 » فكان كما قال حتى قال معاوية : إنما قتله من أخرجه . وضلت ناقته صلى اللّه عليه وسلم ، فأقبل يسأل عنها فقال المنافقون : هذا محمد يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ! فصعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : إن رجلا يقول في بيته إن محمدا يخبرنا عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته ، ألا وإني لا أعلم إلا ما علمني ربي عز
هامش
( 1 ) كنز العمال ( ج 15 ، حديث رقم 40708 ) والشفاء للقاضي عياض ( 1 / 289 ) بلفظ قريب . ( 2 ) رواه البخاري في كتاب الهبة وفضلها باب ( 2 ) . ( 3 ) إصطخر : بالكسر وسكون الخاء بلدة بفارس من الإقليم الثالث وهي ممن أعيان حصون فارس ومدنها . ( 4 ) الحديث رواه أحمد في مسنده ( ج 10 ) حديث رقم ( 26625 ) ، والهندي في كنز العمال حديث رقم ( 23736 ) .