فقال : اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف ! اللهم اشدد وطأتك على مضر ! فأمسك اللّه عز وجل عنهم القطر حتى مات الشجر وذهب الثمر وقلت المراعي فماتت المواشي حتى اشتووا القد وأكلوا العلهز ، فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة إلى كسرى يشكو إليه الجهد والأزل ويستأذنه في رعي السواد وهو حين ضمن عن قومه وأرهنه قوسه .
فلما أصاب مضر خاصة الجهد ونهكهم الأزل وبلغت الحجة مبلغها وانتهت الموعظة منتهاها دعا بفضله صلّى اللّه عليه وسلم ، الذي كان نداهم به فسأل ربه عز وجل الخصب وإدرار الغيث فأتاهم منه ما هدم بيوتهم ومنعهم حوائجهم ، فكلموه في ذلك .
فقال : اللهم حوالينا ولا علينا ، فأمطر اللّه ما حولهم ودعا صلّى اللّه عليه وسلم ، على المستهزءين بكتاب اللّه عز وجل ، وكانوا اثني عشر رجلا ، فكفاه اللّه جل اسمه أمرهم ، فقال :
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[ الحجر : 95 ] وقصة عامر بن الطفيل ودعائه عليه ، وناطقه صلّى اللّه عليه وسلم ذئب ، وأظلته غمامة ، وحن إليه عود المنبر ، وأطعم عسكرا من ثريدة في جسم قطاة ، وسقى عاما ووضأهم من ميضأة جسم صاع ، ورسوخ قوائم فرس سراقة بن جعشم في الأرض وإطلاقه له بعد إذ أخذ موثقه ، ومريه ضرع شاة حائل فعادت كالحامل ، والتزاق الصخرة بيد أربد ، وما أراه اللّه عز وجل أبا جهل حين أهوى بالصخرة نحو رأس رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهو ساجد فظهر له فحل ليلقم رأسه فرمى بالصخرة ورجع يشد إلى أصحابه قد انتقع لونه ، فقالوا له : ما بالك ؟ فقال : رأيت فحلا لم أر مثله يريد هامتي .
وأما ما أراه اللّه أعداءه من الآيات فأكثر من أن يحصى ، منها ما رواه وهب بن منبه عن الليث بن سعد قال : أتى أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال أحدهما للآخر : أنا أشغله بالكلام حتى تقتله ، فوقف أحدهما على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فلما طال عليه انصرف فقال لصاحبه : ما صنعت شيئا ؟
قال : رأيت عنده شيئا ورجله في الأرض ورأسه في السماء لو دنوت منه أهلكنى ، وأما أربد فأصابته صاعقة ، وأنزل اللّه تعالى :
لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ
[ الرعد : 11 ] .
وأما عامر فإنه قال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لنا أهل الوبر ولكن أهل المدر ، فقال صلى اللّه عليه وسلم ، لكم الأعنة ، فقال : لأملأنها خيلا عليكم ورجلا . فلما ولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « اللهم اكفنيه ، فأخذته غدة فقتلته » .
وعن محمد بن عبد اللّه قال : بينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائم يصلي إذ رآه أبو جهل فقال لنفر من