وخصيانا بقيمة ألف وخمس مائة دينار سوى نتاج قد اتخذه ، فهات ما عندك من الجواب ! فقلت : ما عندي يا أمير المؤمنين جواب ، قال : ألم أعلمك ؟ ثم قال : وأكبر من هذا وأطم أني فزعت إلى علي بن هشام في رجل أوليه القضاء فقال : قد أصبت واحدا واللّه يشهد أنه سرني ورجوت أن يكون بحيث أحب ، قلت . فاغد به علي ، قال : أفعل ، ثم غدا ، فقلت : أين الرجل ؟ فقال : لم أجده في الفقه بالموضع الذي يجب أن يتصل صاحبه بأمير المؤمنين ، قال :
فأنكرت عليه وأظهرت الغضب ، فقال : يا أمير المؤمنين إن الرجل الذي ذكرته لك بالأمس هو علي بن مقاتل وكان عندي من أهل العفاف والستر ، فانصرفت بالأمس على أن أحضره ، فوجهت إليه وأنا لا أشك أنه سيظهر الكراهية في ما أراد له أمير المؤمنين وإن كان يستبطن غيرها ويستعفي كفعل من يتصنع أو يكره ذلك بالحقيقة ، فلما جاءني ألقيت إليه الذي أردته له فما تمالك أن وثب فقبل رأسي ، فعلمت أنه لا خير عنده وأنه لو كان من أهل الفضل والخير لعد الذي دعي إليه إحدى المصائب ، فلم أر لنفسي أن أحضره ولا أن يستعان بمثله ، فقلت :
جزاك اللّه خيرا عن إمامك أحسن ما جزى امرأ عن إمامه وعن دينك ونفسك ، قال بشر : فبهت وانقطعت ولم أحر كلمة .
فقال : لا ولكن إن أردت العفيف النظيف الزاكي التقي الطاهر فقاضي الري هو بالحالة التي فارقته عليها واللّه ما غير ولا بدل ، فأما قولكم في يحيى بن أكثم فما ندري ما عيبه إلا أن ظاهره أنه أعف خلق اللّه عن الصفراء والبيضاء ، ميل إلينا من أموال الحشوية « 1 » أربع مائة ألف دينار ، فأي نفس تسخو بهذا ؟ قال بشر : فقلت يا أمير المؤمنين ما لك في الخلفاء شبيه إلا عمر بن الخطاب فإنه كان يفحص عن عماله وعن دفين أسرار حكامه فحصا شافيا ، فكان لا يخفى عليه ما يفيد كل امرئ وما ينفق ، وكان من نأى عنه كمن دنا منه في بحثه وتنقيره ، فقال المأمون : إن أهم الأمور كلها أمور القضاء والحكام إذ كنا قد ألزمناهم النظر في الدماء والأموال والفروج والأحكام فوددت أني أجد مائة حاكم وأني أوع يوما وأشبع يوما .
حمدون بن إسماعيل النديم قال : حضر العيد فعبّى المعتصم باللّه خلية تعبية لم يسمع بمثلها ولم ير لأحد من ولد العباس شبيه بها ، وأمر بالطريق فمسح من باب قصره إلى المصلى ثم قسم ذلك على القواد وأعطى كل واحد منهم مصافه ، فلما كان قبل الفطر بيوم حضر القواد وأصحابهم في أجمل زي وأحسن هيأة فلزموا مصافهم منذ وقت الظهر إلى أن ركب المعتصم باللّه إلى المصلى ، فكان الموضع الذي وقع لإبراهيم بن المهدي من بعد الحرسي بحذاء مسجد الخوارزمي وإبراهيم واقف وأصحابه في المصاف ، فلما أصبح المعتصم أمر
هامش
( 1 ) الحشوية : فرقة مشبهة من أصحاب الحديث .