كتب إلى إسحاق بن إبراهيم في الفقهاء بمعايبهم رجلا رجلا حتى إنه أعلم بما في منازلهم منهم ؟
قال : وحدثنا سليمان بن علي النوفلي قال : سمعت عمرو بن مسعدة يقول : قال لنا المأمون يوما من الأيام : من أنبل من تعلمون نبلا وأعفهم عفة ؟ قال : فقلنا وأكثرنا ، فبغضنا مدحه وقرظه وقدمه على كل خليفة وإمام وعددنا ما نعرف من مكارم الأخلاق ، فقال : ما كمال المناقب إلا لبني هاشم غير أنا لم نردها ولا أردنا خلفاءها ، قال علي بن صالح : أعرف القصة في عمر بن الخطاب ، رحمه اللّه ، فأشاح بوجهه وأعرض وذكر كلاما ليس من جنس هذا الكتاب فنذكره ، ثم قال : ذاك أبو العباس عبد اللّه بن طاهر دخل مصر وهي كالعروس الكاملة فيها خراجها وبها أموالها جمة ثم خرج عنها فلو شاء اللّه أن يخرج عنها بعشرة آلاف دينار لفعل ، ولقد كان لي عليه عين ترعاه ، فكتب إلي أنه عرضت عليه أموال لو عرضت علي أو بعضها لشرهت إليها نفسي ، فما علمته خرج عن ذلك البلد إلا وهو بالصفة التي قدمه فيها إلا مائة ثوب وحمارين وأربعة أفراس ، فمن رأى أو سمع بمثل هذا الفتى في الإسلام ؟ فالحمد للّه الذي جعله غرس يدي وخريج نعمتي .
وقال بشر بن الوليد : كان واللّه المأمون الملك حقا ، ما رأيت خليفة قط كان الكذب عليه أشد منه على المأمون ، وكان يحتمل كل آفة تكون بالإنسان إلا الكذب ، قال فقال لي يوما : صف لي أبا يوسف « 1 » القاضي فإني لم أره ، فوصفته له ، فاستحسن صفته وقال : وددت أن مثل هذا بحضرتنا فنتزين به ، ثم أقبل علي وقال : ما في الخلافة شيء إلا وأنا أحسن أن أدبره أبلغ منه حيث أريد وأقوى عليه إلا أمر أصحابك ، يعني القضاة ، وما ظنك بشيء يتحرج منه علي بن هشام ويتوقى سوء عاقبته ويكالب عليه الفقهاء وأهل التصنع ؟ قال قلت : يا أمير المؤمنين ما أدري ما تقصده فأجيب عنه ! قال : لكني أدريه وأدريك ولا واللّه ما تجيبني عنه ولا فيه بجواب مقنع ، ثم قال : ولينا رجلا أشرت به قضاة الأبلة « 2 » وأجرينا عليه في الشهر ألف درهم وما له صناعة ولا تجارة ولا كان له مال قبل ولايتنا إياه . وولينا رجلا آخر قضاء دمشق وأجرينا عليه ألف درهم في الشهر أشار به إلي محمد بن سماعة ، فأقام بها أربعة عشر شهرا ، فوجهنا من يتبع أمواله في السر والعلانية ويتعرف حاله ، فأخبر أنه وجد ما ظهر من ماله في هذا المقدار من دابة وغلام وجارية وفرش وأثاث قيمته ثلاثة آلاف دينار ، وولينا رجلا أشار به إلي فلان نهاوند فأقام بها أربعة وعشرين شهرا ، فوجهنا من يتبع أمواله فأخبرنا أن في منزله خدما
هامش
( 1 ) أبو يوسف إبراهيم بن يعقوب صاحب أبي حنيفة كان قاضيا في البصرة توفي سنة ( 297 ه ) .
( 2 ) الأبلة بلدة على شاطئ دجلة البصرة .