حضرته ، فلما أخرجوا كثر عليهم البكاء فقال عبد اللّه ، أفيقوا من البكاء وأوغلوا في الدعاء ، فإني أشهد اللّه على ما أردت من إحياء الحق وإماتة الباطل ، فجرى القدر بما جرى ، فجدي الحسن والحسين قتلا بسم وسيف ، فالحمد للّه الذي جعل منايانا جهادا ولم يجعلها مهادا .
وأخبرنا إبراهيم بن السندي بن شاهك وكان من العلماء بأمر الدولة قال : قال لي المأمون : نبئت أنك عالم بأمر الدولة ورجال الدعوة . قلت : ذلك الذي يلزمني يا أمير المؤمنين بعد الفرض أن أعرف أيام مواليّ ومحاسن ساداتي ، قال : فهات ما عندك ، ثم أنشأ يحادثني ويسائلني عن أمور خفية لم تخطر ببالي قط ، فكان منها أن قال : ما اسم أم قحطبة بن شبيب ؟ قلت : لا أعلم ، قال لبابة بنت سنان . ثم قال : ما اسم أبي عون ؟ قلت : لا أدري ، قال : فلان فو اللّه ما زال يسائلني عن خفي أمر الدولة ولا يجد عندي جوابا ولا يزيدني على أن تبسم ، فكلما فعل ذلك زاد في عيني وضعفت عند نفسي ، قال : فكان آخر ما قال : أخبرك أن بعض أهلنا ذات يوم رأت وهي حامل متمّ كأنّه أتاها آت في منامها فقال لها : يولد في هذه الليلة خليفة ويموت خليفة ويستخلف خليفة ، فمات الهادي في تلك الليلة واستخلف الرشيد وولدت أنا .
وعن إبراهيم بن السندي بن شاهك قال : لما اختار يحيى بن أكثم العشرة من الفقهاء وأحضرت مجلس المأمون لمذاكرة الفقه جعل له يوما في الجمعة يحضرون مجلسه ، فقال لي المأمون : يا إبراهيم احضر فلست بدون أكبرهم ، فكنت أحضر ، وكان قد اختار من أيام الجمعة يوم الثلاثاء ، قال : فحضرت يوما فلما أمسك المأمون عن المسائل نهض القوم ، وكان ذلك إذنه بانصرافهم ، فوثبت معهم ، فقال بيده : مكانك يا إبراهيم ، فقعدت وقام يحيى وساءه تخلّفي ، فقال لي ودخل إبراهيم بن المهدي : هات ذكر من في عسكرنا ممن يطلب ما عندنا بالرياء ، فقلت ما عندي ، وقال إبراهيم ما عنده ، فقال : ما أرى عند أحد ما يبلغ إرادتي ، ثم أنشأ يحدث عن أهل عسكره حتى واللّه لو كان قد أقام في رحل كل رجل حولا لما زاد على معرفته ، وقال : إنه كان مما حفظت عنه في ثلب « 1 » أصحابه أنه قال : تسبيح حميد الطوسي وصلاة قحطبة وصيام النوشجاني ووضوء بشر المريسي وبناء مالك بن شاهك المساجد وبكاء إبراهيم بن بريهة على المنبر وجمع الحسين بن قريش القيامي وقصص مرجّى وصدقة علي بن هشام وحملان إسحاق بن إبراهيم في سبيل اللّه وصلاة أبي رجاء الضحى ، فقال لي رجل من عظماء العسكر حين خرجنا من الدار : هل رأيت أو سمعت قط أعلم برعيته وأشد تنقيرا من هذا ؟ قلت : اللهم لا ! فحدثت بهذا الحديث بعض أهل الخطر ، فقال : وما تصنع بهذا وقد
هامش
( 1 ) ثلب ذكر مساوئ الرجل وعيوبه .