ذلك اليوم ، وسبق إليه الأسدي بالخبر وقال : احذر فقد اتخذ لك كيت وكيت ، قال : فدخلت عليه فإذا هو على كرسي ، فعرفت الشر في وجهه والمنكر في نظره ، فقال : هيه يا أبا بديل مع إكرامي لك أردت أن تقتلني ؟ قال فتضاحكت وقلت : بلغ من مكره أن دس إليك هذا الأسدي ، لقد عملت فيك حيلته ! ثم حرّكه بطنه فقام إلى الخلاء وقال : لا ترم ، فلما ولى وثبت وخرجت مسرعا ، فقال الحاجب : أسرعت . قلت : نعم في حاجة للأمير ، وركبت فرسي فرأيت القوم قد وافوا كلهم إلا الأسدي ، فعلمت أنه صاحبي ، فلما خرج سأل عني فأخبر بمضيي ، فوجه خيلا في طلبي ، فمال اليربوعيون فدفعهم ، ومضيت حتى صرت إلى المصمغان وكتبت إلى أبي جعفر المنصور كتابا مكشوفا ، فكتب : إني قد عرفت ما وصفته وقد صح الأمر ، ثم كتب إلى خازم بن خزيمة فصار إليه حتى أخذه .
علي بن بريهة الهاشمي قال : قال صاحب عذاب أبي جعفر : دعاني أبو جعفر المنصور ذات يوم وإذا بين يديه جارية صفراء وقد دعا لها بأنواع العذاب وهو يقول لها : ويلك اصدقيني فو اللّه ما أريد إلا الألفة ولئن صدقتني لأصلن الرحم ولأتابعن البر إليه ، وإذا هو يسائلها عن محمد بن عبد اللّه وهي تقول : ما أعرف مكانه ، ودعا بالدّهق « 1 » وأمر به فوضع عليها فلما كادت نفسها أن تتلف قال : أمسكوا عنها ، وكره ما رأى وقال لأصحاب العذاب : ما دواء مثلها إذا صار إلى مثل حالها ؟ قالوا الطيب تشمه والماء البارد يصب على وجهها وتسقى السويق ، فأمر لها بذلك وعالج بعضه بيده وقال لأصحاب العذاب : ألا أعلمتموني بما ينالها فأكف عنها ؟ قالوا : قد علمنا أنها لا تقوى على هذا ولكنا هبناك ، فما زالوا يردون عليها نفسها حتى أفاقت ، وأعاد عليها المسألة فأبت إلا الجحود ، فقال لها : أتعرفين فلانة الحجامة ؟ فاسود وجهها وتغيرت ، فقالت : نعم يا أمير المؤمنين تلك في بني سليم ، قال : صدقت هي واللّه أمتي ابتعتها بمالي ورزقي يجري عليها في كل شهر وكسوة شتائها وصيفها ، أمرتها أن تدخل منازلكم وتحجمكم وتتعرف أخباركم ، ثم قال : أو تعرفين فلانا البقال ؟ قالت : نعم هو في بني فلان ، قال : هو واللّه مضاربي بخمسة دنانير أمرته أن يبتاع بها كل ما يحتاج إليه من البيوع فأخبرني أن أمة لكم يوم كذا وكذا من شهر كذا صلاة المغرب جاءت تسأله حناء وورقا ، فقال لها : ما تصنعين بهذا ؟ فقالت : كان محمد بن عبد اللّه في بعض ضياعه بناحية البقيع وهو يدخل الليلة فأردنا هذا لتتخذ منه النساء ما يحتجن إليه عند دخول أزواجهن من المغيب ، فأسقط في يدها وأذعنت بكل ما أراد .
قيل : وإن أبا جعفر كتب في حمل عبد اللّه بن الحسن وأهل بيته من المدينة إلى
هامش
( 1 ) الدهق خشبتان يغمز بهم الساق .