أنشدته : كم عيالك ؟ تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى كذا ، فأخبرني بشيء من أمر منزلي جهلت بعضه وعلمه كله .
وحدث بعض من كان في ناحيته قال : رفعت إليه قصة أسأله فيها أجرا وأرزاقا ، فقال :
كم عيالك ؟ فزدت في العدد ، فقال : كذبت ، فبهتّ وقلت : يا نفس من أين علم أني كذبت ! فأقمت سنة أخرى لا أجسر على كلامه ثم رفعت إليه القصة ، فقال : كم عيالك ؟ فقلت : كذا ، قال : صدقت ، ووقع في القصة : يجري على عياله كذا وكذا .
ويقال : إن كسرى أبرويز كان نصب رجلا يمتحن به من فسدت عليه نيته من رعيته وطعن في المملكة ، فكان الرجل يظهر التأله والدعاء إلى التخلي من الدنيا والرغبة في الآخرة وترك أبواب الملوك ، وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب كلامه في خلال ذلك بذم الملك وتركه شرائع ملته وسنن سيرته ودينه الذي كان عليه ، وكان هذا الرجل يمتثل ما حدّه له أبرويز ليمتحن بذلك خاصته ، وكان من يسعى يخبر أبرويز بذلك ، فيضحك ويقول : فلان في عقله ضعف وأنا أعلم أنه وإن كان يتكلم بما يتكلم لا يقصدني بسوء ولا المملكة بما يوهنها ، ويظهر الاستهانة بأمره والثقة به والطمأنينة إليه ، ثم توجه إليه في خلال ذلك من يدعوه فيأبى أن يجيبه ويقول : لا ينبغي لمن خاف اللّه أن يخاف أحدا سواه ، فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل والزيارة له والأنس به ، فإذا خلوا تذاكرا أمر الملك فابتدأ الناسك فطعن فيه وأعانه الخائن وطابقه على ذلك وشايعه ، فيقول الناسك : إياك وأن يظهر هذا الجبار على كلامك فإنه لا يحتمل لك ما يحتمله لي ، فحصن منه دمك ، فيزداد الآخر إليه استنامة وبه ثقة ، فإذا علم الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به العقوبة في الشريعة قال لمن بحضرته : إني قاعد غدا مجلسا للناس أقص عليهم فاحضروه ، ويقول لمن هو أشد به ثقة : احضر أنت فإنك رجل رقيق عند الذكر حسن النية ساكن الريح بعيد الصوت وإن الناس إذا رأوك قد حضرت زادت نياتهم خيرا وسارعوا إلى استجابتي ، فيقول الرجل :
إني أخاف من هذا الجبار فلا تذكره إن حضرت ، وكانت العلامة بينه وبين أبرويز أن أبرويز قد كان وضع عيونا يحضرون متى جلس ، فكان الناسك يقص على العامة ويزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة والخائن حاضر ، فيأخذ الناس في ذكر الملك ، فينهض الخائن ، وتجيء عيون أبرويز فتخبره بما كان ، فإذا زال الشك عنه في أمره وجهه إلى بعض البلدان وكتب إلى عامله : قد وجهت إليك برجل وهو قادم عليك بعد كتابي هذا فأظهر بره والأنس به والثقة إليه والسكون إلى ناحيته فإذا اطمأنّت به الدار فاقتله قتلة
المحاسن والمساوئ — صفحة 112
مساهمون: ابراهيم بن محمد البيهقي
ص١١٢