أحوج الأعين إلى العلاج وأنت تصف هذا الدواء وتخبر أنّه شفاء ! فما بالك يا هذا لا تستعمله ؟
قال : أنا في هذا الموضع منذ عشرين سنة ما رأيت شيخا قط أجهل منك ولا أحمق ! قلت :
وكيف ذاك ؟ قال : يا جاهل أتدري أين اشتكيت عيني ؟ قلت : لا ، قال : بمصر ، فأقبل علي الجماعة ، فقالت : صدق واللّه أنت جاهل ، وهموا بي ، فقلت : واللّه ما علمت أن عينه اشتكت بمصر ! فتخلصت منهم بهذه الحجة . قال : فضحك المأمون ، وقال : ما لقيت من اللّه جل ذكره من سوء الثناء وقبح الذكر أكثر ، قلت : أجل .
وقيل : إنه كان رجل من المعتزلة « 1 » وكان له جار يرى رأي الخوارج ، وكان كثير الصلاة والصيام حسن العبادة ، فقال المعتزلي لرجلين من أصحابه : مرا بنا إلى هذا الرجل فنكلمه لعل اللّه جل وعز ينقذه من الهلكة بنا ويهديه من الضلالة ، فأتوه وكلموه فأصغى إلى كلامهم ، فلما سكتوا انتعل وقام ومعه القوم حتى وقف على باب المسجد فرفع صوته بالقراءة واجتمع إليه الناس ، وقعد الرجل وصاحباه ، فقرأ ساعة حتى بكى الناس ثم وعظ فأحسن ثم ذكر الحجاج فقال : أحرق المصاحف وهدم الكعبة وفعل وفعل فالعنوه لعنه اللّه ! فلعنه الناس ورفعوا أصواتهم ، ثم قال : يا قوم وما علينا من ذنوب الحجاج ومن أن يغفر اللّه عز وجل له ولنا معه فإنا مذنبون ، لقد كان الحجاج غيورا على حرم المسلمين تاركا للغدر ضابطا للسبيل عفيفا عن المال لم يتخذ ضيعة ولم يكن له مال فما علينا إن نترحم عليه فإن اللّه عز وجل رحيم يحب الراحمين ، ثم رفع يده ودعا بالمغفرة للحجاج ورفع القوم أيديهم وارتفعت الأصوات بالاستغفار مليا ، قال الرجل المعتزلي وهو يلاحظني ، فلما فرغ وانصرف ضرب بيده إلى منكبي وقال : هل رأيت مثل هؤلاء القوم لعنوه واستغفروا له في ساعة واحدة ، أتنهي عن دماء أمثال هؤلاء ؟ واللّه لأجاهدنهم مع كل من أعانني عليهم .
محاسن التيقظ
قيل : كان أردشير من أشد خلق اللّه فحصا وبحثا عن سرائر خاصته وعامته وإذكاء للعيون عليهم وعلى الرعية ، وكان يقول : إنما سمي الملك راعيا ليفحص عن دفائن رعيته ، ومتى غفل الملك عن تعرفه ذلك فليس له من رسم الراعي إلا اسمه ومن الملك إلا ذكره ، ويقال : إنه كان يصبح فيعلم كل شيء جرى في دار مملكته خير أم شر ويسمي فيعلم كل شيء أصبحوا عليه ، فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم : كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت ،
هامش
( 1 ) المعتزلة من الفرق الإسلامية الكلامية ظهرت على يد واصل بن عطاء حين اعتزل مجلس الحسن البصري وهذه أيضا من التي انتهت ولم يبق لها وجود .