الآي ، والآخر معنوي وهو أنه تعالى أراد أن يخبر عن قوة أنفس السحرة واستطالتهم على موسى ، فجاء عنهم باللفظ أتم وأوفي منه في إسنادهم الفعل إليه .
ثم أورد سؤالا وهو إنا نعلم أن السحرة لم يكونوا أهل لسان ، فنذهب بهم هذا المذهب من صنعه الكلام ، وأجاب بأن جميع ما ورد في القرآن حكاية عن غير أهل اللسان من القرون الخالية إنما هو معرب عن معانيهم ، وليس بحقيقة ألفاظهم ، ولهذا لا يشك في أن قوله تعالى
قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
« 1 » أن هذه الفصاحة لم تجر على لغة العجم .
الثامن قال البارزي في أول كتابه « أنوار التحصيل في أسرار التنزيل » اعلم أن المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر ، ولا بد من استحضار معاني الجمل أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها ، واستحضار هذا متعذر على البشر في أكثر الأحوال ، وذلك عتيد حاصل في علم اللّه تعالى ، فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح والمليح والأملح ، ولذلك أمثلة : منها قوله تعالى
وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ
« 2 » لو قال مكانه و « ثمر الجنتين قريب » لم يقم مقامه من جهة الجناس بين « الجنى » و « الجنتين » ومن جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجني فيها ، ومن جهة مؤاخاة الفواصل . ومنها قوله تعالى
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ
« 3 » أحسن من التعبير ب « تقرأ » لثقله بالهمزة . ومنها
لا رَيْبَ فِيهِ *
« 4 » أحسن من « لا شك فيه » لثقل الإدغام ، ولهذا كثر ذكر الريب . ومنها
وَلا تَهِنُوا *
« 5 » أحسن من « ولا تضعفوا » لخفته ،
وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
« 6 » أحسن من « ضعف » لأن الفتحة أخف من الضمة .
ومنها
آمَنَ *
« 7 » أخف من « صدق » ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق ،
آثَرَكَ اللَّهُ
« 8 » أخف من « فضلك » و
آتَى *
« 9 » أخف من « أعطى » و
أَنْذِرْ *
« 10 » أخف من « خوف »
هامش
( 1 ) . طه / 63 .
( 2 ) . الرحمن / 54 .
( 3 ) . العنكبوت / 48 .
( 4 ) . البقرة / 3 .
( 5 ) . آل عمران / 139 .
( 6 ) . مريم / 4 .
( 7 ) . البقرة / 62 .
( 8 ) . يوسف / 91 .
( 9 ) . البقرة / 177 .
( 10 ) . الأحقاف / 21 .