تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 296

مساهمون:

ص٢٩٦
الثاني : المضادة ، كقوله في سورة البقرة
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ
« 1 » الآية فإن أول السورة كان حديثا عن القرآن وأن من شأنه الهداية للقوم الموصوفين بالإيمان ، فلما أكمل وصف المؤمنين عقّب بحديث الكافرين ، فبينهما جامع وهمي بالتضاد من هذا الوجه ، وحكمته التشويق والثبوت على الأول كما قيل « وبضدها تتبين الأشياء » فإن قيل هذا جامع بعيد لأن كونه حديثا عن المؤمنين بالعرض لا بالذات والمقصود بالذات ، هو مساق الكلام إنما هو الحديث عن القرآن لأنه مفتتح القول . قيل لا يشترط في الجامع ذلك ، بل يكفي التعلق على أي وجه كان ، ويكفي وجه الربط ما ذكرناه . لأن القصد تأكيد أمر القرآن والعمل به والحث على الإيمان ، ولهذا لما فرغ من ذلك قال
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
« 2 » فرجع إلى الأول . الثالث : الاستطراد ، كقوله تعالى
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ
« 3 » قال الزمخشري هذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقب ذكر بدو السوءات وخصف الورق عليهما ، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس ولما في العري وكشف العورة من المهانة والفضيحة ، وإشعارا بأن الستر باب عظيم من أبواب التقوى . وقد خرّجت على الاستطراد قوله تعالى
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ
« 4 » فإن أول الكلام ذكر للرد على النصارى الزاعمين نبوة المسيح ، ثم استطرد للرد على العرب الزاعمين بنوة الملائكة . ويقرب من الاستطراد حتى لا يكادان يفترقان حسن التخلص ، وهو أن ينتقل مما ابتدئ به الكلام إلى المقصود على وجه سهل يختلسه اختلاسا ، دقيق المعنى بحيث لا يشعر السامع بالانتقال من المعنى الأول إلا وقد وقع عليه الثاني ، لشدة الالتئام بينهما . وقد غلط أبو العلاء محمد بن غانم في قوله لم يقع منه في القرآن شيء ، لما فيه من التكلف . وقال إن القرآن إنما ورد على الاقتضاب الذي هو طريقة العرب من الانتقال إلى غير ملائم ، وليس كما قال ، ففيه من التخلصات العجيبة ما يحير العقول .
هامش
( 1 ) . البقرة / 6 . ( 2 ) . البقرة / 23 . ( 3 ) . الأعراف / 26 . ( 4 ) . النساء / 172 .