تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
وفائدته جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء ، فنقول : ذكر الآية بعد الأخرى إما أن يكون ظاهر الارتباط لتعلق الكلم بعضه ببعض وعدم تمامه بالأولى فواضح ، وكذلك إذا كانت الثانية للأولى على وجه التأكيد أو التفسير أو الاعتراض أو البدل ، وهذا القسم لا كلام فيه . وإما الا يظهر الارتباط ، بل يظهر أن كل جملة مستقلة عن الأخرى وأنها خلاف النوع المبدوء به ، فإما أن تكون معطوفة على الأولى بحرف من حروف العطف المشتركة في الحكم أو لا ؛ فإن كانت معطوفة فلا بد أن يكون بينهما جهة جامعة على ما سبق تقسيمه ، كقوله تعالى
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها *
« 1 » وقوله
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
« 2 » للتضاد بين القبض والبسط والولوج والخروج والنزول والعروج وشبه التضاد بين السماء والأرض . ومما الكلام فيه التضاد ذكر الرحمة بعد ذكر العذاب والرغبة بعد الرهبة ، وقد جرت عادة القرآن إذا ذكر أحكاما ذكر بعدها وعدا ووعيدا ليكون باعثا على العمل بما سبق ، ثم يذكر آيات توحيد وتنزيه ليعلم عظم الآمر والناهي ، وتأمل سورة البقرة والنساء والمائدة تجده كذلك ؛ وإن لم تكن معطوفة فلا بد من دعامة تؤذن باتصال الكلام ، وهي قرائن معنوية تؤذن بالربط . وله أسباب أحدها : التنظير ، فإن إلحاق النظير بالنظير من شأن العقلاء ، كقوله
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ
« 3 » عقب قوله
أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا *
« 4 » فإنه تعالى أمر رسوله أن يمضي لأمره في الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير أو للقتال وهم له كارهون . والقصد أن كراهتهم لما فعله من قسمة الغنائم ككراهتهم للخروج ، وقد تبين في الخروج الخير من الظفر والنصر والغنيمة وعز الإسلام ، فكذا يكون فيما فعله في القسمة ، فليطعيوا ما أمروا به ويتركوا هوى أنفسهم .
هامش
( 1 ) . الحديد / 4 . ( 2 ) . البقرة / 245 . ( 3 ) . الأنفال / 5 . ( 4 ) . الأنفال / 4 .