تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
ومن ذلك قوله تعالى :
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
« 1 » فإنا لو تركنا ومدلول اللفظ لاقتضى أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة سفرا ولا حضرا وهو خلاف الإجماع . فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر أو فيمن صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ على اختلاف الروايات في ذلك . ومن ذلك قوله
إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ
« 2 » الآية فإن ظاهر لفظها لا يقتضي أن السعي فرض وقد ذهب بعضهم إلى عدم فرضيته تمسكا بذلك وقد ردت عائشة على عروة في فهمه ذلك بسبب نزولها ، وهو أن الصحابة تأثموا من السعي بينهما لأنه من عمل الجاهلية . فنزلت . ومنها دفع توهم الحصر قال الشافعي ما معناه في قوله تعالى
قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
« 3 » الآية إن الكفار لما حرموا ما أحل اللّه وأحلوا ما حرم اللّه وكانوا على المضادة والمحادة فجاءت الآية مناقضة لغرضهم فكأنه قال : لا حلال إلا ما حرمتموه ولا حرام إلا ما أحللتموه نازلا نزلة من يقول لا تأكل اليوم حلاوة فتقول لا آكل اليوم إلا الحلاوة والغرض المضادة لا النفي والإثبات على الحقيقة ، فكأنه تعالى قال : لا حرام إلا ما أحللتموه من الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ولم يقصد حل ما وراءه إذ القصد إثبات التحريم لا إثبات الحل . قال إمام الحرمين : وهذا في غاية الحسن ولولا سبق الشافعي إلى ذلك لما كنا نستجيز مخالفة مالك في حصر المحرمات فيما ذكرته الآية . ومنها معرفة اسم النازل فيه الآية وتعيين المبهم فيها ولقد قال مروان في عبد الرحمن بن أبي بكر إنه الذي أنزل فيه
وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما
« 4 » حتى ردت عليه عائشة وبينت له سبب نزولها . المسألة الثانية اختلف أهل الأصول هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب ؟ والأصح عندنا الأول وقد نزلت آيات في أسباب واتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها
هامش
( 1 ) . البقرة / 115 . ( 2 ) . البقرة / 158 . ( 3 ) . الانعام / 145 . ( 4 ) . الأحقاف / 17 .