وقال ابن الحصار قسم اللّه آيات القرآن إلى محكم ومتشابه وأخبر عن المحكمات أنها أم الكتاب ، لأن إليها ترد المتشابهات ، وهي التي تعتمد في فهم مراد اللّه من خلقه في كل ما تعبدهم به ، من معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وبهذا الاعتبار كانت أمهات . ثم أخبر عن الذين في قلوبهم زيغ أنهم هم الذين يتبعون ما تشابه منه ؛ ومعنى ذلك أن من لم يكن على يقين من المحكمات وفي قلبه شك واسترابة كانت راحته في تتبع المشكلات المتشابهات ، ومراد الشارع منها التقدم إلى فهم المحكمات وتقديم الأمهات ، حتى إذا حصل اليقين ورسخ العلم لم تبال بما أشكل عليك ومراد هذا الذي في قلبه زيغ التقدم إلى المشكلات وفهم المتشابه قبل فهم الأمهات ، وهو عكس المعقول والمعتاد والمشروع ، ومثل هؤلاء مثل المشركين الذين يقترحون على رسلهم آيات غير الآيات التي جاءوا بها ويظنون أنهم لو جاءتهم آيات أخر لآمنوا عندها جهلا منهم ، وما علموا أن الإيمان بإذن اللّه تعالى . انتهى .
وقال الراغب في مفردات القرآن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب :
محكم على الإطلاق ومتشابه على الإطلاق ومحكم من وجه متشابه من وجه .
فالمتشابه بالجملة ثلاثة أضرب : متشابه من جهة اللفظ فقط ، ومن جهة المعنى فقط ومن جهتهما .
فالأول ضربان أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة ، إما من جهة الغرابة نحو « الأب » « يزفون » أو الاشتراك كاليد واليمين . وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب .
وذلك ثلاثة أضرب : ضرب لاختصار الكلام نحو
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ
« 1 » وضرب لبسطه نحو
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 2 » لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع ، وضرب لنظم الكلام نحو
أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً
« 3 » تقديره « أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا » .
هامش
( 1 ) . النساء / 3 .
( 2 ) . الشورى / 11 .
( 3 ) . الكهف / 1 و 2 .