تخطي إلى المحتوى الرئيسي

گزيدهء الاتقان في علوم القرآن — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
فالواجب أن يفسر المحكم بما يقابله ، ويعضد ذلك أسلوب الآية وهو الجمع مع التقسيم ، لأنه تعالى فرق ما جمع في معنى الكتاب ، بأن قال منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ، وأراد أن يضيف إلى كل منهما ما شاء ، فقال أولا فأما
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
إلى أن قال
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
وكان يمكن أن يقال وأما الذين في قلوبهم استقامة فيتبعون المحكم ، لكنه وضع موضع ذلك
وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
لإتيان لفظ الرسوخ لأنه لا يحصل إلا بعد التتبع العام والاجتهاد البليغ ، فإذا استقام القلب على طرق الإرشاد ورسخ القدم في العلم أفصح صاحبه النطق بالقول الحق ؛ وكفى بدعاء الراسخين في العلم
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا
« 1 » إلى آخره شاهدا على أن
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ *
مقابل لقوله
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
وفيه إشارة إلى أن الوقف على قوله
إِلَّا اللَّهَ *
تام وإلى أن علم بعض المتشابه مختص باللّه تعالى ، وأن من حاول معرفته هو الذي أشار إليه في الحديث بقوله « فاحذروهم » . وقال بعضهم العقل مبتلى باعتقاد حقية المتشابه كابتلاء البدن بأداء العبادة ، كالحكيم إذا صنف كتابا أجمل فيه أحيانا ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه ، وكالملك يتخذ علامة يجتاز بها من يطلعه على سره ، وقيل لو لم يبتل العقل الذي هو أشرف البدن لاستمر العالم في أبّهة العلم على التمرد ، فبذلك يستأنس إلى التذلل بعز العبودية والمتشابه هو موضع خضوع العقول لبارئها استسلاما واعترافا بقصورها . وفي ختم الآية بقوله تعالى
وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ *
تعريض بالزائغين ومدح للراسخين ، يعني من لم يتذكر ويتعظ ويخالف هواه فليس من أولي العقول ، ومن ثم قال الراسخون
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا
إلى آخر الآية ، فخضعوا لبارئهم لاستنزال العلم اللدني بعد أن استعاذوا به من الزيغ النفساني . وقال الخطابي المتشابه على ضربين : أحدهما ما إذا رد إلى المحكم واعتبر ، به عرف معناه ، والآخر ما لا سبيل إلى الوقوف على حقيقته وهو الذي يتبعه أهل الزيغ فيطلبون تأويله ولا يبلغون كنهه فيرتابون فيه فيفتتنون .
هامش
( 1 ) . آل عمران / 8 .