وتفيد الروايات التأريخية ، وتؤيدها دلالات الآيات أن كثيرا من الآيات المتتالية في ترتيبها داخل السورة الواحدة ليس ضروريا أن تكون نزلت متسلسلة تسلسلا زمنيا ، الواحدة بعد الأخرى ، بل إن هناك فترة زمنية ربما كانت طويلة بين آية وأخرى ، وأن ما نزل بعد هذه الآية في تسلسله الزمني ربما وضع في موقع آخر ، في حين وضعت آية إلى جوار الآية السابقة ، رغم التباعد الزمني بينها . كما أن بعضها قد نزل في مكة المكرمة ونجده في سورة مدنية .
ونستطيع أن نأخذ مثالا للدراسة سورة العلق ، فنكتشف من خلال تحليل مضامين آياتها الفارق الزمني بين آيات تلك السورة ، إذ تتكون هذه السورة من مقطعين من الآيات : الأول منها يبدأ من قوله تعالى :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
أما المقطع الثاني فيتكون من الآيات الأخرى المتبقية من السورة .
ومن خلال الدراسة التحليلية للمصطلحات والمفاهيم والوقائع التأريخية نكتشف الفارق الزمني بين مقطعي السورة ، وكما ذكر العلماء المهتمون بالنزول وتأريخ القرآن ، فإن آيات كثيرة نزلت بعد مقطع الآيات الأولى ، وقبل آيات المقطع الثاني في حين وضعت هذه الآيات في هذا الموقع من سورة العلق ، ولم توضع الآيات التي نزلت قبلها ، كآيات سورة المدثر والمزمل . . . الخ في هذه السورة ، مما يدل على أن وضع الآيات في موضعها المثبت في القرآن الكريم هو أمر إلهي ، وقائم