القرآن الذي صرّح أن محمدا رسول قد خلت من قبله الرسل ولم يحدث في الكتابين السابقين ( التوراة والإنجيل ) أن قصرت قصصها وحكاياتهما وأمثالهما على رسوليهما ( موسى بالنسبة للتوراة وعيسى بالنسبة للإنجيل ) ونكرّر ما سبق أن ذكرناه أن العاطفة الدينية المشبوبة لدى خلف اللّه هي التي دعته إلى تقديم مثل هذه الأفكار الغالية ومن الغريب أن هذا الحماس منه لرسول الإسلام محمد لم يشفع له لدى الذين ثاروا عليه .
ويؤكد المؤلف أن أسلوب القصص القرآني يساير نفسية النبي محمد عليه السلام وستظهر هذه المسايرة عندما يتحدث عن القصص القرآني ونفسية الرسول ، والحكم الأدبي هو أن أسلوب القرآن في التعبير عن أفكار الأنبياء والمرسلين أو الأقوام يمشي على وتيرة واحدة أي أنه لا يشاكل الواقع ويقارن بينه وبين أسلوب قصص هذه الأيام الذي يمضي على خلاف ذلك إذ الحوار فيها يمثّل نفسية المتحاورين وطريقتهم في المخاطبة وعقليتهم في التفكير والحركات الذهنية كما يمثّل حرفهم وصناعاتهم .
بيد أنه يستثني بعض الحالات القليلة التي نجد فيها الحوار يمثّل شخصية المتحاورين وما تنضوي عليه من قوة وجبروت وعظمة وكبرياء وهي المحاورات التي تجري على لسان إبليس حين يحاور الرسول الذي يواجهه مثل آدم وموسى ولكنه الاستثناء الذي يؤكد القاعدة التي يعتنقها ( المؤلف ) وهو أن الحوار يمثّل الدعوة الإسلامية ونفسية محمد عليه الصلاة والسلام ثم يأتي إلى عنصر القضاء والقدر وسبق أن ألمع إلى ذلك عندما شرح كيفية تدخّل عنصر القضاء والقدر لإنقاذ الرسول من القتل والاضطهاد وكان حريا بخلف اللّه أن يسمي هذا العنصر - في هذه الخصوصية - مشيئة السماء أو إرادة اللّه . ويضرب مثلا آخر لإبراز أهمية هذا العنصر في بعض القصص مثل رؤيا إبراهيم ذبح ابنه ثم فدائه بذبح عظيم . وكذلك قصة يوسف التي وعد بتحليلها في القريب ثم أردفها بالمشيئة الإلهية : ( إن شاء اللّه ) ومثل هذه العبارة نسمعها في الخطب المنبرية العصماء التي ترتجف لها الأفئدة وتخشع من بلاغتها القلوب وتذرف من طلاقتها العيون . . . إلخ أما أن تضمها رسالة جامعية أو بحث أكاديمي أو كتاب علمي رصين ولو كان في العلوم الدينية فهذا ما لم نعهده .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 482
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٤٨٢