مسائل التاريخ ، وليس ذلك إلا لأنه يريد الهداية والإرشاد ، ويقصد إلى العظة والعبرة ، ولا يقصد إلى تعليم التاريخ أو نشر وثائقه بحال من الأحوال .
والمذهب الذي جرى عليه القرآن الكريم مذهب أدبي مقرّر ، تعرفه جميع اللغات ويجري عليه العمل عند جميع الأدباء ، ثم هو مذهب التفت إليه كثير من المفسّرين ، فقال به بعض القدماء ممّن روى الطبري أقوالهم عند تفسيره لقصة أصحاب الكهف ، وقال به الأستاذ الإمام عند حديثه عن قصة هاروت وماروت ، وقال به علماء البلاغة من المسلمين حين اكتفوا باللزوم العرفي أي بالعرف والعادة ، واعتقاد المخاطب في مسائل البيان ، ولم يتطلّبوا اللزوم العقلي أي الحق والواقع .
ذلك هو مذهب القرآن القصصي ، وهو مذهب يرد على هؤلاء جميعا اعتراضاتهم ، ذلك لأنهم يبنون هذه الاعتراضات على أساس المخالفات التاريخية ، مخالفات القصص القرآني لما أثبته الكشف التاريخي وقال به المؤرخون من غير المسلمين ، وهو بناء لا يستقيم مع هذا العرف الأدبي الذي قرّرناه ، ذلك لأن الذي يعاب على القاصّين هو المخالفة التاريخية الصادرة عن جهل بمسائل التاريخ وقضاياه . أما تلك التي تصدر عن مذهب أدبي هو تصوير اعتقاد المخاطب ليتّخذ وسيلة إلى ما وراءه فأمر لا يعاب ، وبخاصة إذا كان هذا الكشف التاريخي قد جاء بعد قرون وقرون . إن المخالفات مع فرض ثبوتها وإقامة الدليل عليها ، إنما هي مخالفات لما كانت تعرفه البيئة من تاريخ ، وأمثال هذه المخالفات لا تضير القرآن في شيء ، لأنه لم يدل على أنه قد قصد إلى التاريخ وإلى تعليمه للناس ونشر وثائقه بينهم . هذا هو رأينا ، لك أن تخالف فيه ولك أن تقرّه ، وليس بيني وبينك إلا هذه الآية الكريمة :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ . . .
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة يوسف ، الآية 108 .