كان القصص القرآني إذن يتطوّر من حيث الموضوعات أو من حيث الأفكار والآراء حسب قاعدة التدرّج هذه ، وهذا هو التطوّر الداخلي لعنصر من عناصر القصة .
وكان فن البناء كما كان فن توزيع العناصر كما وكيفا يتأثر بهذا ، وهذا هو الأمر الذي سندل عليه هنا بعد إذ نتناول ظواهره وعلله بالشرح والتفصيل .
نلحظ القصص القرآني أول ما نلحظه خبرا عاديا يصوّر حالة أو موقفا أو حادثة فنرى صحف إبراهيم وموسى
إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى
« 1 » ونلحظ حديث الجنود فرعون وثمود وما نزل بهم وبقوم عاد من المصائب
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ * إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
« 2 » .
وقد كان القصد الأول ، أول عهد القرآن بالنزول ، زلزلة المشركين وزعزعتهم من مواقف العناد . ومن هنا نرى القرآن يعنى بالأقاصيص التي تبرز فيها الحوادث بروزا قويا ويهمل ما عداها من عناصر القصة . ومن هنا أيضا نلحظ أن الرنين الصوتي كان له أثره القوي في تصوير هذه الأحداث وكان ما يذكر في القصة ليس أسماء الرسل الذين أرسلوا وإنما أسماء الأقوام الذين نزلت بهم الكوارث وألّمت بهم المصائب
الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ
« 3 » .
وفي ذلك الوقت أيضا كان جدلهم عن نبوّة محمد عليه السلام واتهامهم له بالسحر أو الجنون وأنه كذاب أشر وأنه لا يتلقى الوحي من اللّه وأنه بشر مثلهم وكيف يتبعون واحدا منهم مع أن الرسول لا يكون من البشر بحال من الأحوال . ويمضي القصص
هامش
( 1 ) سورة الأعلى ، الآيتان 18 - 19 .
( 2 ) سورة الفجر ، الآيات 6 - 14 .
( 3 ) سورة الحاقة ، الآيات 1 - 8 .