حرج فيها ولا مشقة ما دمنا بصدد دراسة التطوّر الفني في القصص الأدبي غير القرآن .
لكن المسألة حين تنتقل إلى ميداننا هذا تعسر وتشق وتكاد تتغير طبيعة الأمور ، ذلك لأن القرآن قد نزل من السماء على أنه معجزة العرب الكبرى وأوحاه خالق مبدع متنزّه عن كل ما يتصف به البشر من ضعف وقدرة يخضعان للتجربة والمران ، وإذا فلا سبيل إلى الوصول إلى مثل هذه النتيجة ، ونحن لا نكاد نلمسها بالخيال حتى نرد عن القصد ونقف مكتوفي الأيدي حتى لا حراك ولا كلام . لكن ما العمل والتطوّر موجود لا شك فيه ؟
أعتقد أن الوصول إلى هذه النتيجة ميسر لو التمسنا الطريق إليها فيما خلف الأولون من رجال الفقه والأصول من حلول لمثل هذه المشكلات .
قال القوم بالنسخ ، وقالوا بالتدرّج في التشريع . ومعنى ذلك أن أحكام القرآن وشرائعه ومبادئ الدين وعقائده لم تنزل دفعة واحدة وإنما نزلت على دفعات وأن الزمن قد طال بها حتى شمل مدة البعثة وزمن الإرسال ، وهم يرون في هذين حكمة أرادها الخالق هي أن تستعد النفوس وتتهيّأ العقول والقلوب لتقبل الدين الجديد ، فلم يكن معقولا أن العربي الذي تسلّطت عليه العقائد واستبدّت به التقاليد يتخلى عن كل تراثه الروحي على ما فيه من زيف وبهتان في يوم وليلة ، ولا أن يتسلّل الدين الجديد إلى نفسه فيستقر فيها ويتمكن منها في يوم وليلة كذلك . هكذا رأوا وإلى تلك الحكمة ذهبوا ، وهي الأمور التي تتّفق وطبيعة الدعوات .
ولن نذهب نحن إلى أبعد من قولهم حين ندل على ما في القصص القرآني من تطوّر داخلي هو بعينه ذلك التدرّج في التشريع . فنحن نعلم أن القصص القرآني قد نزل لخدمة الدعوة الإسلامية ، وشرح مبادئها ، وتوضيح عقائدها ، والدفاع عن النبي العربي والقرآن الكريم . على هذا جرى الواقع ، وبهذا نطق القرآن الكريم . وإذا كانت الدعوة الإسلامية قد نزلت في فترة طويلة وجاء القرآن على قاعدة التدرّج في التشريع وإذا كان القصص القرآني قد جاء لخدمة هذه الدعوة ، كان لا بد من أن تصبح القصة صورة لهذه الدعوة تعبّر عما يدور في البيئة من آراء وأفكار وتصوّر ما يجري في البيئة من حركات عدائية أو سلمية وتدافع عن النبي عليه السلام والدعوة ، تدعو لهما لتثبت أركانهما وتمكّن لهما من قلوب الكفرة والمشركين .
الفن القصصي في القرآن الكريم — صفحة 330
مساهمون: محمد أحمد خلف الله
ص٣٣٠