يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
« 1 » .
وتذهب ملكة سبأ بما في المرأة من ضعف مستحب ، وما فيها من سعة الحيلة وحسن السياسة ، تلين إلى درجة تشبه الضعف ، وتستسلم إلى حد يكاد يكون خضوعا ، وهي المالكة لناصية الحال ، ترسل الهدية إلى الملك لتكتسب بها يدا عنده ، لكنه يرفض ويأبي عليها إلا أن تأتي إليه ، فتذهب إلى الملك كالمستسلمة وتعلن أمامه أنها قد ظلمت نفسها ثم تعترف بأنها قد أسلمت معه للّه رب العالمين .
ولسنا بحاجة إلى الحديث عن امرأة عمران وعاطفتها الدينية ونذرها ما في بطنها محررا . ولا إلى الحديث عن امرأة إبراهيم وعجبها من أن يكون لها ولد وبعلها شيخ وهي عجوز عقيم . ولا إلى الحديث عن موقف كل من امرأة نوح وامرأة نوح وامرأة لوط ، لأن كل هذه لفتات وصور واضحة لا تحتاج إلى وقوف طويل .
وننتهي من الحديث عن الشخصيات في القصص القرآني بقولنا :
( 1 ) إن مذهب القرآن في رسمها وتصويرها كان المذهب غير المباشر وهو الذي يذهب فيه القاص إلى عرض الشخوص في تفكيرهم وأعمالهم وحركاتهم ، ويترك لنا نحن التعرّف إليها من طرق تفكيرها ونهج أعمالها وسبحات روحها حتى لكأنها الشخص الذي نعاشره منذ زمن ، فعرفنا خلقه ومزاجه وطوايا عقله وخبايا فؤاده .
( 2 ) إن شخصيات النساء كانت تسيّرها الغرائز والعواطف الأولية . أما شخصيات الرجال ، من غير الأنبياء ، فكانت تسيّرها المصالح الخاصة والعقائد الباطنية والنزعات النفسية والإهواء . ومن هنا كانوا خليطا تخضع كل مجموعة منها لمؤثر من هذه المؤثرات . أما شخصيات الرسل فكانت تسيّرها المثل العليا والمبادئ الدينية ومن هنا تشابهت صفاتهم العقلية وحركاتهم الفكرية وجرى على ألسنة الكثيرين منهم عبارات بعينها متحدة الصورة أو متقاربتها ، وإن كانوا ، بين فترة وأخرى ، يخضعون لما يخضع له غيرهم من الجنس البشري فيغضبون ويفرحون ويتناولون الأعداء بالذم ويتوجهون إلى اللّه بالدعاء عليهم ،
هامش
( 1 ) سورة مريم ، الآيات 16 - 23 .