ويصوّر الحسرة والألم على ما أضاعوا من أعمار وما تركوا من خير كما يصوّر الندم على أتباع المجرمين والاستماع إلى القادة المضلين .
قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ * وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
.
ثم تكون تلك الفقرة التقليدية التي يختم بها القرآن قصصه في هذه السورة وهي
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
.
وكنا نستطيع أن نمضي في الحديث عن تلك الأشياء التي أثار القصص القرآني النفوس ضدها كصد الناس عن سبيل اللّه وكالحسد . وكنا نستطيع أن نمثل لذلك ببعض القصص كقصة شعيب ويوسف وابني آدم ولكنا آثرنا أن نكتفي بما تقدّم لأن القصد كان التدليل على وجود هذا الغرض وضرب الأمثلة التي تثبت وتوضح ونعتقد أن قد بلغنا من ذلك ما نريد .
ثالثا - والقصة كما تقوم بعملية الإفاضة وعملية الإيحاء أو تكوين عواطف قوية وصادقة مع أو ضد القيم الخلقية والدينية والاجتماعية الموجودة في البيئة أو المراد فرضها عليها تقوم بعملية أخرى لا تقل عن هذه أثرا في حياة الإسلام والمسلمين تلك هي بث الثقة والطمأنينة أو بذر بذور الخوف والقلق والاضطراب النفسي .
والقصة القرآنية لها خطرها من هذه الناحية فهي التي تولّد هذه الأشياء بعرضها صورا من الحياة الدينية انتصر فيها الدعاة ومن آمن بهم وحاق الدمار والهلاك بالقادة المعارضين ومن اتّبعهم . وهذه الأمور ملحوظة في مجموعات قصص سور الأعراف والشعراء والقمر .
ونلحظ أن عملية الخلق الفني في هذه المجموعات تقوم على أساس اختيار بعض العناصر المعروفة والمتداولة من أخبار الأمم السابقة ومزجها وإخراجها في الثوب الذي يؤثّر الأثر المطلوب من إشاعة القلق والاضطراب في قلوب الكفرة والمشركين أو رد الثقة والطمأنينة لنفوس المؤمنين ومن هنا قال شعيب لقومه
وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية 89 .