قوله
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
فقال بعضهم ذلك خبر من اللّه تعالى ذكره عن أهل الكتاب أنهم يقولون ذلك كذلك واستشهدوا على صحة قولهم ذلك بقوله
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
وقالوا لو كان خبرا من اللّه عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
وجه مفهوم وقد أعلم اللّه خلقه مبلغ لبثهم فيه وقدره . ذكر من قال ذلك . . .
وهكذا ترى أن من الأقدمين من أجاز أن تكون هذه الصور التاريخية صورا لما يعرفه أهل الكتاب عن قصة أصحاب الكهف ومعنى ذلك أن القرآن الكريم يصوّر في بعض قصصه اعتقاد المعاصرين أو المخاطبين .
وهذا الرأي هو الذي اعتمد عليه الأستاذ الفاضل الشيخ عبد الوهاب النجّار في رده على المستشرقين الذين كتبوا مادة أصحاب الكهف من دائرة المعارف الإسلامية فقد قال رحمه اللّه : الذي ألاحظه أن عبارة دائرة المعارف الإسلامية كعبارة أكثر المفسّرين تعتبر أن قوله تعالى
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً
خبر عن مدة مكث أهل الكهف في كهفهم منذ دخلوه إلى أن استيقظوا . ولكني أفهم غير ذلك وأقول إن قوله ولبثوا إلخ معمول لقوله سيقولون ثلاثمائة إلخ فهو من مقول السائلين وليس خبرا من اللّه تعالى ولذا أتبع ذلك القول بقوله
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ
. وعلى ذلك فالقرآن لم ينص على عدد أهل الكهف ولا على المدة التي مكثوها فيه قبل أن يعثر عليهم بل أمر اللّه رسوله أن يقول عن عددهم
رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ
وأن يرد عليهم حين يقولون
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ . . .
إلخ بقوله
اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
وقد ورد هذا القول عن ابن عباس « 1 » .
وأعتقد أن السر في هذه المسألة واضح بيّن فالقوم يسألون النبي عن العدد وعن المدة وقد جعلوا آراء اليهود مقياسا يقيسون به صدق النبي عليه السلام ولو نزل القرآن بغير هذه الآراء وبخلاف هذا المقياس لكذبوا النبي ولما آمنوا به أو بالقرآن .
إن إخبار القرآن بهذه الآراء هو الدليل على أن الوحي ينزل على النبي عليه السلام من السماء ومن هنا كانت أمثال العبارات السابقة :
رَجْماً بِالْغَيْبِ
قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ
هامش
( 1 ) مادة أصحاب الكهف ، دائرة المعارف الإسلامية التربية العربية .