أحدهما : أن المشكاة تستنير بالمصباح ، فإذا صار سراج اليقين في القلب يزهر بكثرة زيت العمل بالليل ، فيزداد المصباح إشراقا ، وتكتسب مشكاة القالب نورا وضياء .
كان يقول سهل بن بعد اللّه : اليقين نار ، والإقرار فتيلة ، والعمل زيت وقد قال اللّه تعالى :
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
« 1 » .
وقال تعالى :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
« 2 » .
فنور اليقين من نور اللّه في زجاجة القلب ، يزداد ضياء بزيت العمل ، فتبقى زجاجة القلب كالكوب الدري .
وتنعكس أنوار الزجاجة على مشكاة القالب . وأيضا يلين القلب بنار النور ، ويسرى لينه إلى القالب ، فيلين القالب للين القلب ، فيتشابهان لوجود اللين الذي عمهما . قال اللّه تعالى
ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
« 3 » .
وصف الجلود باللين كما وصف القلوب باللين ، فإذا امتلأ القلب بالنور ، ولأن القالب بما يسرى فيه من الأنس والسرور ، يندرج الزمان والمكان في نور القلب ، ويندرج فيه الكلم والآيات والسور ، وتشرق الأرض أرض القالب بور ربها ، إذ يصير القلب سماء ، والقالب أرضا .
ولذة تلاوة كلام اللّه في محل المناجاة تستر كون الكائنات والكلام المجيد بكونه ينوب عن سائر الوجود في مزاحمة صفو الشهود ، فلا يبقى حينئذ للنفس حديث ، ولا يسمع للهاجس حسيس ، وفي مثل هذه الحالة يتصور تلاوة القرآن من فاتحته إلى خاتمته من غير وسوسة وحديث نفس ، وذلك هو الفضل العظيم .
هامش
( 1 ) سورة الفتح : آية 29 .
( 2 ) سورة النور : آية 35 .
( 3 ) سورة الزمر : آية 23 .