وقال بعض العارفين : إن اللّه تعالى يطلع على قلوب المستيقظين في الأسحار فيملؤها نورا ، فترد الفوائد على قلوبهم فتستنير ، ثم تنتشر من قلوبهم الفوائد إلى قلوب الغافلين .
وقد ورد أن اللّه تعالى أوحى في بعض ما أوحى إلى بعض أنبيائه : إن لي عبادا يحبونى وأحبهم ، ويشتاقون إلى وأشتاق إليهم ، ويذكروني وأذكرهم ، وينظرون إلى وأنظر إليهم ، فإن حذوت طريقهم أحببتك ، وإن عدلت عن ذلك مقتك . قال : يا رب وما علامتهم ؟
قال : يراعون الظلام بالنهار كما يراعى الراعي غنمه ، ويحنون إلى غروب الشمس كما تحن الطير إلى أو كارها ، فإذا جهنم الليل واختلط الظلام وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا لي أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجونى بكلامي ، وتملقوا إلى بإنعامى ، فبين صارخ وباك ، وبين متأوه وشاك ، بعيني ما يتحملون من أجلى ، وبسمعي ما يشتكون من حبى .
أول ما أعطيهم أن أقذف من نوري في قلوبهم ، فيخبرون عنى كما أخبر عنهم . والثاني لو كانت السماوات السبع والأرضون وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم . والثالث أقبل بوجهي عليهم ، افترى من أقبلت بوجهي عليه أيعلم أحد ما أريد أن أعطيه ؟ .
فالصادق المريد إذا خلا ليله بمناجاة ربه انتشرت أنوار ليله على جميع أجزاء نهاره ، ويصير نهاره في حماية ليله ، وذلك لامتلاء قلبه بالأنوار ، فتكون حركاته وتصاريفه بالنهار تصدر من منبع الأنوار المجتمعة من الليل ، ويصير قالبه في قبة من قباب الحق مسددا حركاته ، موفرة سكناته .
وقد ورد : من صلى بالليل حسن وجهه بالنهار ، ويجوز أن يكون لمعنيين :
عوارف المعارف — صفحة 395
مساهمون: عمر السهروردي
ص٣٩٥