ومرة قبل الصبح . فللوضوء والغسل بعد العشاء الآخرة أثر ظاهر في تيسير قيام الليل .
ومن ذلك التعود على الذكر أو القيام بالصلاة حتى يغلب النوم ، فإن التعود على ذلك يعين على سرعة الانتباه ، إلا أن يكون واثقا من نفسه وعادته ، فيتعمل للنوم ويستجلبه ليقوم في وقته المعهود ، وإلا فالنوم عن الغلبة هو الذي يصلح للمريدين والطالبين .
وبهذا وصف المحبون ، قيل : نومهم نوم الغرقى ، وأكلهم أكل المرضى ، وكلامهم ضرورة ، فمن نام عن غلبة بهم مجتمع بقيام الليل يوفق لقيام الليل ، وإنما النفس إذا أطمعت ووطنت على النوم استرسلت فيه ، وإذا أزعجت بصدق العزيمة لا تسترسل في الاستقرار ، وهذا الانزعاج في النفس بصدق العزيمة هو التجافي الذي قال اللّه تعالى :
تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ
« 1 » .
لأن الهم بقيام الليل وصدق العزيمة يجعل بين الجنب والموضع نبوا وتجافيا .
وقد قيل : للنفس نظران ، نظر إلى تحت لاستيفاء الأقسام البدنية ، ونظر إلى فوق لاستيفاء الأقسام العلوية الروحانية .
فأرباب العزيمة تجافت جنوبهم عن المضاجع لنظرهم إلى فوق إلى الأقسام العلوية الرحمانية ، فأعطوا النفوس حقها من النوم ، ومنعوها حظها ، فالنفس بما فيها مركوز من الترابية والجمادية ترسب وتستحلس وتستلذ النوم . قال اللّه تعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ
« 2 » .
هامش
( 1 ) سورة السجدة : آية 16 .
( 2 ) سورة غافر : آية 67 .