الباب السادس والأربعون في ذكر الأسباب المعينة على قيام الليل وأدب النوم
فمن ذلك أن العبد يستقبل الليل عند الغروب الشمس بتجديد الوضوء ، ويقعد مستقبل القبلة منتظرا مجئ الليل وصلاة المغرب ، مقيما في ذلك على أنواع الأذكار ، ومن أولاها التسبيح والاستغفار . قال اللّه تعالى لنبيه :
وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ
( 55 ) « 1 » .
ومن ذلك أن يواصل بين العشاء بالصلاة أو بالتلاوة أو بالذكر ، وأفضل ذلك الصلاة ، فإنه إذا واصل بين العشاءين ينغسل عن باطنه آثار الكدورة الحاثة في أوقات النهار ، من رؤية الخلق ومخالطتهم ، وسماع كلامهم .
فإن ذلك كله له أثر وخدش في القلوب ، حتى النظر إليهم يعقب كدرا في القلب ، يدركه من يرزق صفاء القلب ، فيكون أثر النظر إلى الخلق للبصيرة كالقذى في العين للبصر . وبالمواصلة بين العشاءين يرجى ذهاب ذلك الأثر .
ومن ذلك ترك الحديث بعد العشاء الآخرة ، فإن الحديث في ذلك الوقت يذهب طراوة النور الحادث في القلب من مواصلة العشاءين ، ويقيد من قيام الليل .
سيما إذا كان عريا عن يقظة القلب . ثم تجديد الوضوء بعد العشاء الآخرة أيضا معين على قيام الليل .
حكى لي بعض الفقراء عن شيخ لي بخراسان أنه كان يغتسل في الليل ثلاث مرات ، مرة بعد العشاء الآخرة ، ومرة في أثناء الليل بعد الانتباه من النوم ،
هامش
( 1 ) سورة غافر : آية 55 .