ومعرفة الزيادة والنقصان هو أن يعلم معيار حاله فيما بينه وبين اللّه ، وكل هذا ملازم لصحة التوبة ، وصحة التوبة ملازم لها ، لأن الخواطر مقدمات العزائم ، والعزائم مقدمات الأعمال ، لأن الخواطر تحقق إرادة القلب ، والقلب أمير الجوارح ، ولا تتحرك إلا بتحرك القلب بالإرادة ، وبالمراقبة ، حسم مواد الخواطر الرديئة ، فصار من تمام المراقبة تمام التوبة ، لأن من حصر الخواطر كفى مؤنة الجوارح ، لأن بالمراقبة اصطلام عروق إرادة المكلاره من القلب ، وبالمحاسبة استدراك ما انفلت من المراقبة .
أخبرنا أبو زرعة عن ابن خلف عن السلمى قال : سمعت أبا عثمان المغربي يقول : أفضل ما يلزم الإنسان في هذا الطريق المحاسبة والمراقبة ، وسياسة العمل بالعلم ، وإذا صحت التوبة صحت الإنابة .
قال إبراهيم بن أدهم : إذا صدق العبد في توبته صار منيبا . لأن الإنابة ثاني درجة التوبة .
وقال أبو سعيد القرشي : المنيب الراجع عن كل شئ يشغله عن اللّه إلى اللّه .
وقال بعضهم : الإنابة الرجوع منه إليه لا من شئ غيره ، فمن رجع من غيره إليه ضيع أحد طرفي الإنابة ، والمنيب على الحقيقة من لم يكن له مرجع سواه فيرجع إليه من رجوعه ، ثم يرجع من رجوع رجوعه ، فيبقى شبحا لا وصف له قائما بين يدي الحق ، مستغرقا في عين الجمع ومخالفة النفس ورؤية عيوب الأفعال ، والمجاهدة تتحقق بتحقيق الرعاية والمراقبة .
قال أبو سليمان : ما استحسنت من نفسي عملا فأحتسبه .
وقال أبو عبد اللّه السجزي : من استحسن شيئا من أحواله في حال إرادته فسدت عليه إرادته إلا أن يرجع إلى ابتدائه فيروض نفسه ثانيا ، ومن لم يزن نفسه يميزان الصدق فيما له وعليه لا يبلغ مبلغ الرجال . ورؤية
عوارف المعارف — صفحة 534
مساهمون: عمر السهروردي
ص٥٣٤