وروى عن بعض الصحابة : بلينا بالضراء فصبرنا ، وبلينا بالسراء فلم نصبر .
ومن الصبر رعاية الاقتصاد في الرضى والغضب ، والصبر عن محمدة الناس ، والصبر على الخمول والتواضع . والذي داخل في الزهد وإن لم يكن داخلا في التوبة . وكل ما فات من مقام التوبة من المقامات السنية والأحوال وجد في الزهد ، وهو ثالث الأربعة التي ذكرنا .
وحقيقة الصبر تظهر من طمأنينة النفس ، وطمأنينتها من تزكيتها ، وتزكيتها بالتوبة . فالنفس إذا تزكت بالتوبة النصوح زالت عنها الشراسة الطبيعية ، وقلة الصبر من وجود الشراسة للنفس وإبائها واستعصائها .
والتوبة النصوح تلين النفس وتخرجها من طبيعتها وشراستها إلى اللين ، لأن النفس بالمحاسبة والمراقبة تصفو وتنطفئ نيرانها المتأججة بمتابعة الهوى ، وتبلغ بطمأنينتها محل الرضى ومقامه ، وتطمئن في مجارى الأقدار .
قال أبو عبد اللّه النباجى : للّه عباد يستحيون من الصبر ، ويتلقفون مواضع أقداره بالرضى تلقفا .
وكان عمر بن عبد العزيز يقول : أصبحت ومالي سرور إلا مواقع القضاء .
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس حين وصاه اعمل للّه باليقين في الرضى ، فإن لم يكن فإن في الصبر خيرا كثيرا .
وفي الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من خير ما أعطى الرجل الرضى بما قسم اللّه تعالى له .
فالأخبار والآثار والحكايات في فضيلة الرضى وشرفه أكثر من أن تحصى ، والرضى ثمرة التوبة النصوح ، وما تخلف عبد عن الرضى إلا بتخلفه عن التوبة النصوح ، فإذا تجمع التوبة النصوح حال الصبر ومقام الصبر ، وحال
عوارف المعارف — صفحة 536
مساهمون: عمر السهروردي
ص٥٣٦