وإنما طلب العزلة فيه أكثر في الابتداء ، ولهذا المعنى حب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخلوة في أول أمره ، وكان يخلو في غار حراء ، ويتحنث الليالي ذوات العدد .
وطلب العزلة لا يسلب وصف كونه آلفا مألوفا ، وقد غلط في هذا قوم ظنوا أن العزلة تسلب هذا الوصف ، فتركوا العزلة طلبا لهذه الفضيلة ، وهذا خطأ .
وسر طلب العزلة لمن هذا الوصف فيه أتم من الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ما أسلفنا في أول الباب أن في الإنسان ميلا إلى الجنس بالوصف الأعم .
فلما علم الحذاق ذلك ألهمهم اللّه تعالى محبة الخلوة والعزلة لتصفية النفس عن الميل بالوصف الأعم ، لترتقى الهمم العالية عن ميل الطباع إلى تألف الأرواح ، فإذا وفوا التصفية حقها أشرأبت الأرواح .
إلى جنسها بالتألف الأصلي الأولى ، وأعادها اللّه تعالى إلى الخلق ومخالطتهم مصفاة ، واستنارت النفوس الطاهرة بأنوار الأروتح .
وظهرت صفة الجبلة من الآلفة المكملة آلفة مألوفة ، فصارت العزلة من أهم الأمور عند من يألف فيؤلف .
ومن أدل الدليل على أن الذي اعتزل آلف مألوف حتى يذهب الغلط عن الذي غلط في ذلك وذم العزلة على الإطلاق من غير علم بحقيقة الصحبة وحقيقة العزلة ، فصارت العزلة مرغوبا فيها في وفتها ، والصحبة مرغوبا فيها في وقتها .
قال محمد بن الحنيفة رحمه اللّه : ليس بحكيم من لم يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدا حتى يجعل اللّه له منه فرجا .
عوارف المعارف — صفحة 472
مساهمون: عمر السهروردي
ص٤٧٢