قال اللّه تعالى :
وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
. . . « 1 » .
فصار الإنذار مستفادا من الفقه ، والإنذار إحياء المنذر بماء العلم ، والإحياء بالعلم رتبة الفقه في الدين ، فصار الفقه في الدين من أكمل المراتب وأعلاها ، وهو علم العالم الزاهد في الدنيا ، المتقى ، الذي يبلغ رتبة الإنذار بعلمه .
فمورد العلم والهدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أولا ، ورد عليه الهدى والعلم من اللّه تعالى ، فارتوى بذلك ظاهرا وباطنا ، فظهر من ارتواء ظاهره الدين ، والدين هو الانقياد والخضوع ، مشتق من الدون ، فكل شئ أتضع فهو دون ، فالدين أن يضع الإنسان نفسه لربه .
قال اللّه تعالى :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ
. . . « 2 » .
فبالتفرق في الدين يستولى الذبول على الجوارح ، وتذهب عنها نضارة العلم ، والنضارة في الظاهر بتزيين الجوارح بالانقياد في النفس والمال ، مستفاد من ارتواء القلب ، والقلب في ارتوائه بالعلم بمثابة البحر ، فصار قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالعلم والهدي بحرا مواجا ، ثم وصل من بحر قلبه إلى النفس ، وأخلاقها ، ثم وصل إلى الجوارح جدول فصارت ريانة ناضرة ، فلما استتمت نضارة وامتلأت ريا بعثه اللّه تعالى إلى الخلق ، فأقبل على الأمة بقلب مواج بمياه العلوم ، واستقبل
هامش
( 1 ) سورة التوبة : الآية 122 .
( 2 ) سورة الشورى : الآية 13 .