فالعلم جملة موهوبة من اللّه للقلوب ، والمعرفة تميز تلك الجملة ، والهدى وجدان القلوب ذلك ، فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم لما قال : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم » أخبر أن وجد القلب النبوي العلم ، وكان هاديا مهديا ، وعلمه صلوات اللّه عليه منهما وراثة معجونة فيه من آدم أبي البشر صلّى اللّه عليه وسلم حيث علم الأسماء كلها ، والأسماء سمة الأشياء ، فكرمه اللّه تعالى بالعلم .
وقال تعالى :
عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
« 1 » .
فآدم لما ركب من العلم والحكمة صار ذا الفهم والفطنة والمعرفة ، والرأفة واللطف ، والحب والبغض ، والفرح والغم ، والرضا والغضب ، والكياسة .
ثم اقتضاه استعمال كل ذلك ، وجعل لقلبه بصيرة واهتداء إلى اللّه تعالى بالنور الذي وهب له .
فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم بعث إلى الأمة بالنور الموروث والموهوب له خاصة .
وقيل : لما خاطب اللّه السماوات والأرض بقوله : « أتينا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين » نطق من الأرض وأجاب موضع الكعبة ، ومن السماء ما يحاذيها .
وقد قال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما : أصل طينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من سرة الأرض بمكة .
فقال بعض العلماء : هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض ذرة المصطفى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض ، فصار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هو الأصل في التكوين ، والكائنات تبع له . وإلى هذا الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » « 2 » ، وفي رواية « بين الروح والجسد » وقيل لذلك سمي أميا ، لأن مكة أم القرى ، وذرته أم الخليقة وتربة الشخص مدفنه ، فكان يقتضي ان يكون مدفنه بمكة حيث كانت تربته منها ، ولكن قيل الماء لما تموج رمى
هامش
( 1 ) سورة العلق : الآية 5 .
( 2 ) أي قدر اللّه نبوته كما قدر الأشياء كلها .