شواغل الدنيا بتحقيق الزهد ، انفتحت مسام بواطنهم ، وسمعت آذان قلوبهم ، وأعانهم على ذلك زهدهم في الدنيا . فعلماء التفسير ، وأئمة الحديث ، وفقهاء الإسلام ، أحاطوا علما بالكتاب والسنة ، واستنبطوا منها الأحكام ، وردوا الحوادث المتجددة إلى أصول من النصوص ، وحمى اللّه بهم الدين .
وعرف علماء التفسير وجه التفسير ، وعلم التأويل ، ومذاهب العرب في اللغة ، وغرائب النحو والتصريف ، وأصول القصص ، واختلاف وجوه القراءة ، وصنفوا في ذلك الكتب ، فاتسع بطريقتهم علوم القرآن على الأمة .
وأئمة الحديث ميزوا بين الصحاح والحسان ، وتفردوا بمعرفة الرواة وأسامي الرجال ، وحكموا بالجرح والتعديل ، ليتبين الصحيح من السقيم ، ويتميز المعوج من المستقيم ، فيتحفظ بطريقتهم طريق الرواية والسند حفظا للسنة .
وانتدب الفقهاء لاستنباط الأحكام ، والتفريع في المسائل ، ومعرفة التعليل ، ورد الفروع إلى الأصول بالعلل الجوامع ، واستيعاب الحوادث بحكم النصوص .
وتفرع من علم الفقه والأحكام علم أصول الفقه ، وعلم الخلاف ، وتفرع من علم الخلاف علم الجدل . وأحوج علم أصول الفقه إلى شئ من علم أصول الدين ، وكان من علمهم علم الفرائض ، ولزم منه علم الحساب والجبر والمقابلة ، إلى غير ذلك ، فتمهدت الشريعة ، وتأيدت ، واستقام الدين الحنيفى ، وتفرع وتأصل الهدى النبوي المصطفوى ، فأنبتت أراضي قلوب العلماء الكلأ والعشب ، بما قبلت من مياه الحياة من الهدى والعلم .
قال اللّه تعالى :
أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها
« 1 » .
قال ابن عباس رضى اللّه عنهما : الماء العلم ، والأدوية القلوب .
هامش
( 1 ) سورة الرعد : الآية 17 .