غير انصراف عن غيره بالبداهة ، فالخضوع لواحد من الآلهة في معنى الإعراض عن غيره ، فلا يكمل التصديق بالله والخضوع لمقامه إلّا بالإعراض عن عبادة
الشركاء والانصراف عن دعوة الآلهة الكثيرة ، وهو قوله عليه السلام : «
وكمال التصديق به توحيده
» . ثمّ إنّ للتوحيد مراتب مختلفة بعضها فوق بعض ، ولا يكمل حتّى يعطَى الإله الواحد حقّه من الألوهيّة المنحصرة ، ولا يقتصر على مجرّد تسميته إلهاً ، بل ينسب إليه كلّ ما له نصيب من الوجود والكمال ؛ كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع ، وأن يخصّ الخضوع والعبادة به فلا يتذلّل لغيره بوجه من الوجوه ، بل لا يرجى إلّا رحمته ولا يخاف إلّا سخطه ولا يطمع إلّا في ما عنده ولا يعكف إلّا على بابه . وبعبارة أخرى : أن يخلص له علماً وعملًا ، وهو قوله عليه السلام : «
وكمال توحيده الإخلاص له
» . وإذا استوى الإنسان على أريكة الإخلاص وضمّته العناية الإلهيّة إلى
أولياء الله المقرّبين لاحت على بصيرته لوائح العجز عن القيام بحقّ المعرفة ، ووصفه بما يليق بساحة كبريائه وعظمته . فإنّه ربما شاهد أنّ الذي يصفه تعالى به معانٍ مدركة ممّا بين يديه من الأشياء المصنوعة ، وأمور أَلِفها من مشهوداته الممكنة ، وهى صور محدودة مقيّدة يدفع بعضها بعضاً ولا تقبل الائتلاف والامتزاج ، وخير شاهد على ذلك مفاهيم الوجود والعلم والقدرة والحياة
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد — صفحة 26
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٦