اعلم أنّ الفروع تابعة للأصول ، فإذا كان الأصل معوجّا استحال أن يكون الفرع مستقيما ، كما قال صاحب المثل : « وهل يستقيم الظلّ والعود أعوج » « 1 » ، فمن نصب نفسه للناس إماما ، ولم يكن قد علّم نفسه ما « 2 » انتصب ليعلّمه الناس ، كان مثل من نصب نفسه ليعلّم الناس الصياغة والنجارة ، وهو لا يحسن أن يصوغ خاتما ، ولا ينجر لوحا ، وهذا نوع من السفه ، بل السفه كلّه .
ثمّ قال عليه السلام : وينبغي أن يكون تأديبه لهم بفعله وسيرته قبل تأديبه لهم بلسانه ، وذلك لأنّ الفعل أدلّ على حال الإنسان من القول ، والطباع لمشاهدة الأفعال أطوع وأسرع انفعالا منها للأقوال . ولهذا قال بعض الخلفاء : أنتم إلى إمام فعّال أحوج منكم إلى إمام قوّال .
ثمّ رغّب في تأديب النفس بكون مؤدّب نفسه أحقّ بالتعظيم والإجلال من مؤدّب غيره ، لأنّ من علّم نفسه محاسن الأخلاق أعظم قدرا ممّن تعاطى تعليم الناس ذلك وهو غير عامل بشيء منه .
274 -
من ترك قول « لا أدري » أصيبت مقاتله . « 3 » ترك هذا القول كناية عن القول بغير علم ، وإصابة المقاتل كناية
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 18 - 220 .
( 2 ) « ما » مفعول علّم . منه ( ره )
( 3 ) نهج البلاغة ، الحكمة 85 .