تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
مِنْ مَحِيصٍ ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ . . .
« 1 » . من مجموع هذه الآيات الكريمة ، يتبلور المفهوم القرآني الذي أوضحناه ، وهو تأكيد القرآن على أن الساحة التاريخية لها سنن ولها ضوابط ، كما يكون هناك سنن وضوابط لكل الساحات الكونية الأخرى . وهذا المفهوم القرآني ، يعتبر فتحا عظيما للقرآن الكريم . . لأننا في حدود ما نعلم ، أن القرآن أول كتاب عرفه الانسان ، اكد على هذا المفهوم ، وكشف عنه وأصر عليه ، وقاوم بكل ما لديه من وسائل الاقناع والتفهيم ، النظرة العفوية أو النظرة الغيبية الاستسلامية في تفسير الاحداث ، الانسان الاعتيادي كان يفسر التاريخ بوصفه كومة متراكمة من الاحداث ، يفسره على أساس الصدفة تارة ، وعلى أساس القضاء والقدر والاستسلام لامر اللّه سبحانه وتعالى تارة أخرى ، القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية الاستسلامية ، ونبه العقل البشري ، إلى أن هذه الساحة لها سنن ، ولها قوانين ، ولكي تستطيع أن تكون انسانا فاعلا مؤثرا ، لا بد لك أن تكتشف هذه السنن ، وتتعرف على تلك القوانين ، لكي تستطيع ان تتحكم فيها ، والا تحكمت هي فيك وأنت مغمض العينين ، افتح عينيك على هذه القوانين ، لكي تكون أنت المتحكم فيها وليس العكس . هذا الفتح القرآني الجليل ، هو الذي مهد إلى تنبيه الفكر البشري بعد ذلك بقرون ، إلى أن تجري محاولات لفهم التاريخ فهما علميا ، بعد نزول القرآن بثمانية قرون ، بدأت هذه المحاولات على أيدي المسلمين أنفسهم ، فقام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه ، ثم بعد ذلك بأربعة قرون ( على أقل تقدير ) ، اتجه الفكر الأوربي في بدايات ما يسمى بعصر النهضة ، نحو تجسيد هذا المفهوم الذي ضيعه المسلمون ، حيث لم يتوغلوا إلى
هامش
( 1 ) سورة ق : الآية / 36 - 37 .