بالتدريج ، ان تكتسب القدرة على أن تكون أمة وسطا بين الناس .
وعليه ، فنصر اللّه قريب لكنه ليس أمرا عفويا ، ليس أمرا على سبيل الصدفة ، نصر اللّه قريب ولكن اهتد إلى طريقه . ومن أجل تحصيل ذلك الاهتداء ، لا بد وان تعرف منطق التاريخ ، قد يكون الدواء قريبا من المريض ، لكن إذا كان هذا المريض لا يعرف تلك المعادلة العلمية التي تؤدي إلى اثبات ان هذا الدواء يقضي على جرثومة هذا الداء ، لا يستطيع ان يستعمل هذا الدواء حتى ولو كان قريبا منه .
فالاطلاع على سنن التاريخ ، هو الذي يمكّن الانسان من التوصل إلى النصر . فهذه الآية تستنكر على المخاطبين بها ان يكونوا طامعين في الاستثناء من سنن التاريخ :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ . .
« 1 » .
هذه علاقة قائمة بين النبوة على مر التاريخ ، وبين موقع المترفين والمسرفين في الأمم والمجتمعات . هذه العلاقة تمثل سنة من سنن التاريخ ، وليست ظاهرة وقعت في التاريخ صدفة ، والا لما تكررت بهذا الشكل المطرد ، ولما قال :
وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها
. اذن هناك علاقة سلبية ، هناك علاقة تطارد وتناقض ، بين موقع النبوة الاجتماعي في حياة الناس على الساحة التاريخية ، والموقع الاجتماعي للمترفين والمسرفين ، هذه العلاقة ترتبط في الحقيقة بدور النبوة في المجتمع ، ودور المترفين والمسرفين في المجتمع . هذه العلاقة جزء من رؤية موضوعية عامة للمجتمع ، كما سوف يتضح ان شاء اللّه عندما نبحث عن دور النبوة في المجتمع ، والموقع الاجتماعي للنبوة ، سوف يتضح حينئذ ان النقيض الطبيعي للنبوة هو موقع المترفين والمسرفين .
هامش
( 1 ) سورة سبأ : / 34 - 35 .