هذه العملية التغييرية بوصفها تجسيدا بشريا واقعا على الساحة التاريخية ، مترابطا مع الجماعات والتيارات الأخرى التي تكتنف هذا التجسيد ، والتي تؤيد أو تقاوم هذا التجسيد ، من هذه الزاوية تكون عملية بشرية ، يكون هؤلاء أناسا كسائر الناس ، تتحكم فيهم إلى درجة كبيرة سنن التاريخ التي تتحكم في بقية الجماعات وفي بقية الفئات على مر الزمن .
اذن ، عملية التغيير التي مارسها القرآن ومارسها النبي ( ص ) لها جانبان ، من حيث صلتها بالشريعة وبالوحي ، هي ربانية ، هي فوق التاريخ ، ولكن من حيث كونها عملا قائما على الساحة التاريخية ، من حيث كونها جهدا بشريا يقاوم جهودا بشرية أخرى ، تعتبر عملا تاريخيا تحكمه سنن التاريخ ، وتتحكم فيه الضوابط التي وضعها اللّه سبحانه لتنظيم ظواهر الكون في هذه الساحة المسماة بالساحة التاريخية ، ولهذا نرى ان القرآن الكريم حينما يتحدث عن الزاوية الثانية ، عن الجانب الثاني من عملية التغيير يتحدث عن أناس ، بوصفهم بشرا من البشر ، تتحكم فيهم القوانين التي تتحكم في الآخرين ، حينما أراد ان يتحدث عن انكسار المسلمين في غزوة أحد بعد أن احرزوا ذلك الانتصار الحاسم في غزوة بدر ، تحدث القرآن الكريم عن هذه الخسارة ، ما ذا قال ؟ هل قال بأن رسالة السماء خسرت المعركة بعد أن كانت ربحت المعركة في بدر ؟ لا . . لأن رسالة السماء فوق مقاييس النصر والهزيمة بالمعنى المادي ، ولكن الذي يهزم هو الانسان ، الانسان حتى ولو كان مجسدا لرسالة السماء ، لأن هذا الانسان تتحكم فيه سنن التاريخ ، ما ذا قال القرآن ؟ قال :
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
« 1 » .
هنا أخذ يتكلم عنهم بوصفهم أناسا قال بأن هذه القضية هي في الحقيقة ترتبط بسنن التاريخ ، المسلمون انتصروا في بدر حينما كانت الشروط الموضوعية للنصر بحسب منطق سنن التاريخ تفرض أن ينتصروا ، وخسروا المعركة في أحد
هامش
( 1 ) سورة آل عمران : الآية 140 .