تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
وما هو موقف القرآن منها ، وما هو عطاؤه في تأكيد ذلك ايجابا أو سلبآ ، اجمالا أو تفصيلا ؟ . . . قد يتوهم البعض ، أننا لا ينبغي أن نترقب من القرآن الكريم أن يتحدث عن سنن التاريخ ، لان البحث في سنن التاريخ بحث علمي ، كالبحث في سنن الطبيعة والذرة والنبات . والقرآن الكريم لم ينزل كتاب اكتشاف بل كتاب هداية ، القرآن الكريم لم يكن كتابا مدرسيا ، وإنما نزل هذا الكتاب على النبي ( ص ) لكي يخرج الناس من الظلمات إلى النور ، من ظلمات الجاهلية إلى نور الاسلام . اذن فهو كتاب هداية وتغيير ، وليس كتاب اكتشاف . ومن هنا لا نترقب من القرآن الكريم ان يكشف لنا الحقائق والمبادئ العامة للعلوم الأخرى ، ولا نترقب من القرآن الكريم ان يتحدث لنا عن مبادئ الفيزياء أو الكيمياء أو النبات أو الحيوان . صحيح أن في القرآن الكريم إشارات إلى كل ذلك ، ولكنها إشارات بالحدود التي تؤكد على البعد الإلهي للقرآن ، وبقدر ما يمكن أن يثبت العمق الرباني لهذا الكتاب الذي أحاط بالماضي والحاضر والمستقبل ، والذي استطاع أن يسبق التجربة البشرية مئات السنين في مقام الكشف عن حقائق متفرقة في الميادين العلمية المتفرقة ، لكن هذه الإشارات القرآنية ، انما هي لأجل غرض علمي من هذا القبيل ، لا من أجل تعليم الفيزياء والكيمياء . القرآن لم يطرح نفسه بديلا عن قدرة الانسان الخلّاقة ، ومواهبه وقابلياته في مقام الكدح في كل ميادين الحياة ، بما في ذلك ميدان المعرفة والتجربة ، وإنما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للانسان ، مفجرة لطاقاته ، محركة له في المسار الصحيح . ومن نفس هذا المنظور ، ننتظر من القرآن الكريم أن يعطينا عموميات ، أن يعطينا مواقف ، أن يبلور لنا مفهوما علميا في سنن التاريخ على هذه الساحة من ساحات الكون ، بينما ليس للقرآن مثل ذلك على الساحات الأخرى ، ولا حرج على القرآن في أن لا يكون له ذلك على الساحات الأخرى ؟ لأن القرآن لو صار في مقام استعراض هذه القوانين ، وكشف هذه
السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 47 | السيد محمد باقر الصدر