تتبناها الجماعات البشرية ، وهو المثل الأعلى الهابط الذي يؤدي بالأمة إلى الجمود والتقوقع ثم الانهيار .
والآن ، ننتقل إلى الحديث عن القسم الثاني .
ونحن إذا رجعنا خطوة إلى الوراء - هذا ما سوف اشرح معناه بعد لحظات - فإننا سوف نواجه النوع الثاني من الآلهة ، من المثل العليا . هذا النوع الثاني يعبر عن كل مثل أعلى للأمة يكون مشتقا من طموحها وتطلعها إلى المستقبل . ليس هذا المثل تعبيرا تكراريا عن الواقع ، بل هو تطلع إلى المستقبل ، تحفز نحو الابداع والتطوير ، ولكنّ هذا المثل منتزع عن خطوة واحدة من المستقبل ، أي ان هذا الطموح الذي منه انتزعت الأمة مثلها ، كان طموحا محدودا مقيدا لم يستطيع ان يتجاوز المسافات الطويلة ، وانما استطاع ان يكوّن رؤية مستقبلية محدودة ، وهذه الرؤية المستقبلية المحدودة انتزع منها مثله الأعلى .
وفي هذا المثل الأعلى جانب موضوعي صحيح ، ولكنه يحتوي على امكانيات خطر كبير ، أما الجانب الموضوعي الصحيح ، فهو ان الانسان عبر مسيرته الطويلة لا يمكنه ان يستوعب المطلق بل نفحة بسيطة منه ، وهذه المحدودية في دائرة الاستيعاب البشري أمر صحيح وموضوعي ، ولكن الخطر يكمن في أن يحوّل الانسان هذه النفحة المحدودة في ذاتها إلى مطلق ينتزع منه مثله الأعلى ، وبهذا يحوّل اضمامة النور البسيطة إلى نور السماوات والأرض ! ؟
لأن الذهن البشري محدود .
ومن هنا ، كان لا بد لهذا المثل الأعلى - باعتبار محدوديته - من أن يصل إلى حدوده القصوى ، وحينئذ سوف يتحول هذا المثل نفسه إلى قيد للمسيرة ، وعائق عن التطور ، ومجمّد لحركة الانسان لأنه أصبح مثلا ، أصبح آلها ، أصبح دينا ؛ أصبح واقعا قائما ، وحينئذ سوف يكون بنفسه عقبة أمام استمرار زحف الانسان نحو كماله الحقيقي .
وهذا المثل الذي يعمم خطأ . عندما يحوّل من محدود إلى مطلق ، خطأ
السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 116
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص١١٦