تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
للانسان ، الذي يصنع له غاياته التي تبنى على أساس المثل الأعلى الذي تنبثق عنه تلك الغايات . لكل مجتمع مثل أعلى ، ولكل مثل أعلى مسار ومسيرة ، وهذا المثل الأعلى هو الذي يحدد في تلك المسيرة معالم الطريق ، وهذا المثل الأعلى على ثلاثة أقسام ، استعرضنا القسم الأول وهو المثل الأعلى الذي ينبثق تصوره عن الواقع الذي تعيشه الجماعة ، ويكون منتزعا منه ، وتكون الحركة التاريخية في ظل هذا المثل الأعلى حركة تكرارية ، أخذ الحاضر لكي يكون هو المستقبل ، وقلنا بأن تبني هذا النوع من المثل الأعلى يعود إلى أحد سببين بحسب تصورات القرآن الكريم : السبب الأول : سبب نفسي ، هو الألفة والعادة والضياع . والسبب الآخر : سبب خارجي ، وهو تسلط الفراعنة والطواغيت على مرّ التاريخ . وهذا المثل الأعلى المنخفض ، غالبا ما يتخذ طابع الدين ، وإسباغ نوع من القداسة عليه من قبل الطواغيت ليحصّنوه من أية محاولة تمرد عليه . وفي الآيات الكريمة المتقدمة ، التي كانت تحكي موقف الأمم السابقة من أنبيائها ، ورفضها لدعواتهم بحجة التمسك بعبادة الآباء والأجداد ، بما تستبطنه من جمود على المثل الأعلى لذلك السلف المتحجر المتقوقع . اذن المثل الأعلى لا ينفك عن الثوب الديني ، سواء كان ثوبا دينيا صريحا ، أو ثوبا دينيا مستترا مبرقعا تحت شعارات أخرى ، فهو في جوهره دين ، وفي جوهره عبادة وانسياق . الا ان هذه الأديان التي تفرزها هذه المثل العليا المنخفضة أديان محدودة تبعا لمحدودية نفس هذه المثل ، وإن حوّلت بصورة مصطنعة إلى مطلقات . هذه الأديان هي أديان التجزئة في مقابل دين التوحيد ، الذي سوف نتكلم عنه حينما نتحدث عن مثله الأعلى القادر على استيعاب البشرية بابعادها ، وهذه الآلهة التي يفرزها الانسان بين حين وحين ، هي التي يعبر عنها القرآن الكريم بقوله :